شرح الحديث النبوي .. عجبا لأمر المؤمن

السوسنة - روى هذا الحديث الشريف الصحابي الجليل صهيب بن سنان رضي الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد أورده الإمام مسلم في صحيحه.
متن الحديث:
حدثنا هداب بن خالد الأزدي وشيبان بن فروخ جميعا عن سليمان بن المغيرة واللفظ لشيبان حدثنا سليمان حدثنا ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له . صحيح مسلم 

المعنى العام للحديث:
يتحدث الحديث عن أقدار الله، ويعلمنا الرضا بالقضاء والقدر، فالإيمان بالقدر خيره وشره ركن من أركان الإيمان التي لا يقوم إيمان المرء بدونها، ويخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هنا، بأن ما يصيب المؤمن من قدر مهما كان سيئاً في ظاهره، فهو دوماً خير له.


شرح الحديث:
- "عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير":  ينبهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عظم فضل الله على المؤمنين، ويتعجب مما آتاهم من الخير، فهم دوماً يملكون ما يكسبون به الأجر والحسنات في كل لحظات حياتهم، فأمرهم خير دوماً، في الرخاء وفي الشدة.

- "وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن": وهنا نعلم أن الكافر لا يملك هذه المزية، فالكفر شرٌ كله، فالكافر لم يؤمن بالله أصلاً، فكيف له أن يشكر أو يصبر ويحتسب، وكيف له أن يؤجر.

- " إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له": والسراء هو لفظ جامع للنعم كلها، المادية، كالمال والأهل والأولاد، والمعنوية، كالطمأنينة والراحة والصحة، وغيرها الكثير.

فالسراء نعمة تدخل الإنسان في حالة من السعادة، ومن فضل الله تعالى على المؤمن أنه فتح له باباً للأجر والحسنات بينما يستمتع بالنعم التي آتاه إياها، وهذا الباب هو "الشكر".

وكلا السراء والضراء امتحان من الله، ففي الضراء يجتاز الإمتحان من "يصبر"، وفي السراء يجتاز الإمتحان من "يشكر".

 فإذا أدى الإنسان شكر ما آتاه الله من نعَم، فإن الله سيزيده منها ويبارك له فيها، قال تعالى:"  وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7)  " سورة إبراهيم: آية 7
والشكر ليس مجرد لفظ باللسان، ولكنه شعور بالإمتنان ينبع من القلب ويفيض على الجوارح

فيظهر في أعمال الخير، فأداء شكر النعمة هو استخدامها فيما يرضي الله. وهنا تظهر النعمة الأخروية، فالشكر تسخير للنعمة التي أعطاها الله للإنسان في الأعمال الصالحة، وهذا يعني مزيداً من الأجر والثواب في ميزان الحسنات، وهكذا ينعم المؤمن بنعمتين: واحدة في الدنيا والأخرى في الآخرة.



- "وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له" : أما إن أصابه بلاء، فهو يعلم أنه من قدر الله، ويعلم أن الله إنما يختبره ليزيد أجره في الآخرة، ويؤمن إيماناً يقينياً بأن الله لم يقدر عليه البلاء ليعذبه، وإنما لحكمة ربما لا تكون ظاهرة له، لكن الله يعلمها، قال تعالى:" كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216) " سورة البقرة: آية 216

فإذا علم المؤمن هذه الأمور، صبر واحتسب ودعا الله وتقرب إليه بالطاعات، وانتظر الفرج من عنده، وهنا تظهر النعمة الأخروية مرة أخرى، فللصابر المحتسب أجر عظيم عند الله،

قال تعالى: " قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۗ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ ۗ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ (10) " سورة الزمر: آية 10


وهكذا فإن المؤمن دوماً يتقلب في نعم الله، ومهما كان حاله في الدنيا، فهو دوماً في نعمة من الله سواء أكانت نعمة ظاهرة أم خفية.

المرجع : موقع الشيح محمد راتب النابلسي 

 

 



آخر إضافات الموقع

الأكثر مشاهدة