توبة الصحابي الذي يشرب الخمر

السوسنة -
السوسنة - إن الإدمان على شيء ما عادة ما يكون سهلا ، أما عملية الإقلاع والانصراف عنه هي التي تتطلب عزم وإرادة مثل الحديد ، إضافة إلى الإيمان النقي لا تشوبه شائبة . وكل واحد له أسبابه للإقلاع عن شيء ما ادمنه ، أو ذنب ارتكبه . ولكن هذا الصحابي كان الجهاد في سبيل الله هو سبيله لترك الخمر ، وهذا الصحابي هو أبو محجن الثقفي . 
 
 قد تعترض وتتشابك علينا الأمور عندما نسمع أنه صحابي ، ومع ذلك يشرب الخمر . إن أبو محجن الثقفي هو رجل مسلم ، ولكنه في الجاهلية وقبل دخوله الإسلام كان قد ابتلي بحب الخمر ، وتعلقت نفسه به ، وقلبه كان هائما بهذا الخمر ، حتى أنه أوصى إبنه مرة فقال : 
إذا مت فادفني إلى جنب كرمة   ***   تروي عظامي بعد موتي عروقها
 
 
 ولا تدفني بالفلاة فإنني    ***   أخاف إذا ما مت ألا أذوقها
 
 ولكنه عندما أسلم بقيت هذه المعصية ملازمة له ، وبقيت نفسه تغلبه على الخمر ، فيعاقب ويقام عليه الحد ويعود ، ثم يعاقب ويعود ، وبقي الحال كذلك .. 
 
ولما استعد جيش المسلمين للخروج لغزوة القادسية وقتال الفرس ، خرج معهم أبو محجن وحمل معه زاده ومتاعه ، وكان سعد بن أبي وقاص على رأس الجيش ، ولما وصلوا موقع القادسية طلب القائد رستم مقابلة سعد بن أبي وقاص ، وبدأت بعدها مراسلات مطولة بين الجيشين ، ونظرا لجلوس الجيش في حالة انتظار ؛ بدأ الشيطان يوسوس لأبي محجن - رضي الله عنه - حتى غلبته نفسه ، وذهب ليختبأ في مكان بعيد  وشرب الخمر . 
 وبعدما وصل الخبر لسعد - رضي الله عنه - اشتاظ غضبه ، وقام بتقييد قدميه ويديه داخل خيمة ، وأقام عليه الحد .
 
 وبدأ بعدها القتال بين المسلمين والفرس ، وقعقعت السيوف ، ورميت الرماح ، وتتابعت الحتوف ، وغبرت خيل الرحمن ، وفتحت أبواب الجنان ، واشتاق الركب للقيا  الرب . 
 
 و أبو محجن مقيد بالخيمة لا يدري ماذا يفعل ، وقد أخذ أبو محجن يضجر من قيده ، وتتحرك أشواقه للشهادة في سبيل الله ، ثم يحاول القيام لتهيم روحه في ساحة القتال ، ولكن القيد كان يرجعه ، فبدأ يصيح وينادي حتى سمعته زوجة سعد ، فسالته ماذا يريد . 
 فقال لها :  فكي القيد من رجلي وأعطيني " البلقاء " فرس سعد ، حتى أذهب وأقاتل . 
 
 وأعطاها عهدا ، إن بقي حي ، أن يعود حتى تضع القيد بقدمه ، وإن رزقه الله الشهادة وهو مطلبه .  ثم بدأ يتوسل إليها ويرجوها ؛ حتى فكت  قيده ، وأعطته فرس سعد ثم لبس الدرع وغطى وجهه ، وذهب ليلقي نفسه في صفوف الكفار ، دفاعا عن دين الله وأمانة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
 
 وتعلقت بهذه اللحظات نفسه بالآخرة ، وخدمة هذا الدين العظيم ، ودخل ساحة المعركة برمحه وسلاحه ،  وكان يقصف الكفار قصفا ، حتى أن المسلمين تعجبوا منه ومن قوته ، وهم غير مدركين أنه أبو محجن ، ظانين أن عمر بن الخطاب قد أرسل إليهم مددا ، أو أن ملكا يقاتل معهم ، وبقي أبو محجن يقاتل بصلابة وثبات ، أما سعد فكانت رجليه بها كثير من القروح ، مما جعله لا ينزل ساحة القتال ، ولكن كان يرقب وضع ساحة المعركة من بعيد . 
 
 ولما رأى أبو محجن وما يفعله ، تعجب من قوة قتاله ، وبدأ يتابعه بنظره ، ويقول في نفسه الضرب ضرب أبو محجن ، والكر كر البلقاء .  و أبو محجن في القيد ، والبلقاء في الحبس . 
 
 حتى انتهت المعركة و توقف القتال ، وعاد حينها أبو محجن ليوفي العهد الذي أعطاه لزوجة سعد ، ووضع القيد برجليه . 
 
 ثم نزل سعد فوجد فرسه البلقاء تعرق ، فأيقن أنها هي التي كانت في ساحة القتال ، ثم دخل على أبي محجن في قيده ، فرأى أن الدماء تسيل من جسده ، والدموع تفيض من عينيه . 
 
 
 
 
فبادره سعد بن أبي وقاص في قوله : لا أجلدك بعد اليوم أبدا .
 
 ورد عليه أبو محجن  : يا سعد ، والله لا شربت الخمر أبدا . 
 



التعليقات حالياً متوقفة من الموقع

آخر إضافات الموقع

الأكثر مشاهدة