كعب بن مالك وتخلفه عن غزوة العسرة

السوسنة - إن الله يزكي الصادقين العائدين إليه بالتوبة النصوح ، ويدعو لذلك المؤمنين به ، وقد تمثل لنا في عهد النبي أروع مثل ظهر فيه أبلغ معاني الصدق  ، وبرز الإخلاص لله ، والإنابة بعد الذنب في أبهى صورة له . 

 

 وظهر لنا هذا جليا في قصة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك ، وتاب الله عليهم من بعد توبتهم التي لم تشبها شائبة ، وقد عرفت هذه الغزوة باسم العسرة ، لأن أحوال الصحابة - رضوان الله عليهم - كانت في أشدها قساوة وصعوبة ، والجو حار ، والطريق طويل جدا .

 ومن هؤلاء الصحابة الذين تخلفوا ، كان كعب بن مالك ، الذي لم يتخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قبل في أي غزوة ؛ إلا تبوك ، وبدر أيضا ، ولكن النبي لم يعاتب أحدا تخلف عنه يومها ، وقد شهد مع النبي بيعة العقبة حين تواثق وبايع المبايعون على الإسلام ، ويفتخر كعب بموقفه هذا ، الذي لا يعد أدنى من غزوة بدر فضلا .


أما أحداث وتفاصيل غزوة تبوك فكانت مختلفة ، ويعلم كعب - رضي الله عنه - في قرارة نفسه بأنه لا عذر له بتخلفه ، فقد كان حينها يمتلك دابتين بدلا من واحدة ليركبها في الغزو ، ولديه زاد يكفيه الطريق ، ولم يكن يشكو مرضا أو ضعفا ، بل كان يتمتع بالقوة آنذاك ، ومع ذلك لم يخرج مع رسول الله تقاعسا وكسلا .

بينما كان غيره من الصحابة في شدة وضيق من العيش ، والحر شديد ، والسفر طويل ، والعدو كبير ، وخرجوا رغم كل ما واجههم من صعاب ، وقاتلوا جنبا إلى جنب مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مقابل بني الأصفر حتى عادوا مظفرين منتصرين بأمر من الله  .  

 وعند عودة رسول الله جاء كعب بن مالك يقابل النبي ويعتذر عن تخلفه . 

وكان في تلك الأثناء جموع تقف أمام الرسول ، ويدلي كل منهم بعذره ، بل وكانوا يصطنعون الحجج التي تجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبل عذرهم ، بينما هو يعلم في نفسه أنهم المنافقون ويدلون حججا واهية لتأخرهم عن الغزوة ، إلا أن كعب لم يعتذر كما اعتذر غيره ، وقد كان قادرا على ذلك ، وأخبر النبي أنه لن يحدثه حديث كذب ليرضى به عنه ويشفع له تأخره عن الغزوة ، بل حدثه بصدق أنه لا يمتلك عذرا لما فعل ، بل وما كان أيسر ولا أهون من حاله وقت تخلفه . 
تفوه - رضي الله عنه - بهذا بكل ما يمتلك من قوة وجرأة ، لئلا يُنافق كما نافق آخرون ، وبعدما فرغ كعب من حديثه ، فقال النبي : " أما هذا فقد صدق ، فقم حتى يقضي الله فيك " .
 
ومن هنا بدأ الإبتلاء يختبر صدق وتمسك كعب بدينه ، فما إن خرج من عند رسول الله حتى انهال عليه سيل من النصائح ليعود ويعتذر لرسول الله كما اعتذر غيره ، لعل النبي يستغفر له ويعفو عنه ، حتى أنه كاد من شدة إلحاحهم  أن يتراجع ويكذب نفسه أمام رسول الله ، إلا أن الله منَّ عليه وثبت قلبه على الصدق الذي تفوه به أول مرة .
 وكان مما قد خفف عليه  وطاة الألم أن معه اثنان من الصحابة حالهم كحاله تماما ؛ وهما مرارة بن ربيعة العامري ، وهلال بن أمية الواقفي ، المعروفان بالصدق والصلاح. 

ثم أتى الابتلاء الثاني وهو المقاطعة ، فقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - كافة المسلمين ؛ كبيرا وصغيرا ، ذكرا وأنثى عن التعامل مع الثلاثة هؤلاء ، حيث كان ذلك أمرا شديد القسوة على أنفسهم ، وضاقت بهم الأرض ذرعا ، إلا أن المقاطعة بكل ما تحمله من ثقل وآلام استمرت خمسين يوما ، ذاق فيهم كعب وأصحابه من المصاعب والشدة والألم ما ذواقوا ، فلا أحد يكلمهم ويقبل التعامل معهم في السوق أو المسجد ، وحتى النبي كان يعرض عن كعب حينما يلقاه ، ولكن يشتاق لصاحبه ولحديثه ويحبه لصدق سريرته ، وتمر الأيام والليالي ببطئ شديد على كعب حتى اضطر للعزلة ، ليخفف ذلك وطأة الألم النفسي .


وجاء الابتلاء الثالث بينما كان يمشي كعب في سوق المدينة ، وإذ بتاجر من نبط أهل الشام يسأل أهل المدينة أن يدلوه على كعب بن مالك ، فأخذ الناس يشيرون إلى كعب بأصابعهم ،   ودفع التاجر لكعب بكتاب من ملك غسان ، يقول له فيه  إن كان صاحبك قد جفاك ، فتعال إلينا وانزل في ديارنا نواسيك ، حتى لا تبقى في موضع الهوان الذي أنت فيه بينما أنت صاحب الشأن والمكانة .  

حيث استغل ملك غسان ظرف كعب وما يواجهه ، ليستميل قلبه ، ولعلمه أن استجابة كعب له ، سيكون له أكبر أثر في شق صفوف المسلمين .

يعتبر جموعا من الناس أن ذلك مخرجا وفرجا ، أو حتى طريقا يصل به إلى العزة والكرامة .

 ولكن الذي يعلم في أعماق نفسه أن الدنيا وكل ما فيها لا تساوي عند الله جناح بعوضة ، وأن الحلول التي تأتي في غير طاعته ورضوانه ؛  تكون هي الخسران بعينه .

 لذلك كان الكتاب بالنسبة لكعب هو ابتلاء لا محالة ، وما لبث إلا أن ألقاه في النار ليحرقه . 

ولم تحدثه نفسه عن دنيا يصيب منها منفعة ونصرة لحاله ، أو عن مكانة يتطلع إليها . 


ليأتي أخيرا من بعد ذلك الفرج ، ليأتي بعد ثبات ومقاومة وصبر لكل الابتلاءات .

وبعد انقضاء الخمسين يوما ، بينما كعب يصلي الفجر على سطح بيته وكانت قد ضاقت عليه الأرض وضاقت أيضا عليه نفسه  ، إذ به يسمع مناد يقول بأعلى صوته البعيد : يا كعب بن مالك أبشر .

وبذلك تنتهي المقاطعة ويتوب الله على كعب وصاحبيه بعد أن اختبر الله صدق الصادقين .

فضرب وأصحابه بصمودهم وصدقهم وثباتهم أروع النماذج بصحة اليقين والتوكل على الله وحده  .