السوسنة
بعد إصدار وزارة الداخلية الفرنسية قراراً بحظر انعقاده، لدواعي أمنية تتعلق بحماية المشاركين في ظل توترات إقليمية ودولية، قضت جهة قضائية إدارية فرنسية بإلغاء قرار منع "اللقاء السنوي لمسلمي فرنسا" ما سمح بإعادة تنظيمه في موعده المحدد.
واعتبرت هذه الخطوة انتصارًا قانونيًا للمنظمين بعد أزمة مفاجئة كادت تعصف بأحد أكبر التجمعات الإسلامية في البلاد.
وأعلن اتحاد "مسلمو فرنسا" أن المحكمة الإدارية بباريس قررت تعليق المرسوم الصادر عن محافظة شرطة باريس ، والذي كان يقضي بمنع انعقاد التظاهرة السنوية، معتبراً أن القرار "غير متناسب ويفتقر إلى أساس قانوني متين". وبموجب هذا الحكم، تقرر إعادة الترخيص لعقد المؤتمر في مركز المعارض ببورجيه، خلال الفترة الممتدة من 3 إلى 6 نيسان/أبريل 2026، وهو ما أعاد الأمور إلى نصابها، بحسب الجهة المنظمة.
ويُعد "اللقاء السنوي لمسلمي فرنسا" من أبرز الفعاليات الإسلامية في البلاد، إذ يستقطب سنوياً عشرات الآلاف من المشاركين، ويتضمن برنامجاً متنوعاً من المحاضرات والندوات والأنشطة الثقافية والدعوية، ما يجعله محطة مركزية في حياة المسلمين في فرنسا.
الأزمة اندلعت قبل أقل من 48 ساعة من انطلاق المؤتمر، وقوبل قرار الرفض بانتقادات واسعة، خاصة من قبل المنظمين الذين اعتبروه غير مبرر، بالنظر إلى سجل المؤتمر الطويل الخالي من أي حوادث أمنية تُذكر.
وفي هذا السياق، أوضح سمير الفالح، الأمين العام لمجلس مسلمي أوروبا في حديث خاص بـ "عربي21" موقف المنظمين بشكل كامل، قائلاً: "حرص اتحاد "مسلمو فرنسا" على إعادة إطلاق المؤتمر السنوي لمسلمي فرنسا (RAMF) في نسخته الأربعين، وذلك بعد انقطاع كانت بدايته بسبب جائحة كورونا. ومما زاد في حجم هذا التحدي أن التحضيرات لهذا المؤتمر الضخم، والذي يزوره آلاف من المهتمين من مختلف الفئات والأعمار، كانت في شهر رمضان، شهر الصيام".
وأضاف: "ثمّ، وقبل يوم ونصف تقريباً من انطلاق فعاليات هذا المؤتمر، وتحديداً يوم الأربعاء على الساعة التاسعة مساء، جاء قرار وزارة الداخلية الفرنسية بحظر انعقاد المؤتمر بتعلّة "المحافظة على سلامة جمهور المؤتمر من خطر عمليات تستهدفهم في ظل التوترات على الصعيد الإقليمي والعالمي".
وأشار الفالح إلى أن و"حيال هذا القرار المفاجئ والمربك، توجّه منظمو المؤتمر إلى القضاء الإداري بشكل مستعجل للاعتراض عليه. وأصدر هذا القضاء قراره قبل ظهر اليوم الجمعة بإلغاء قرار الحظر والسماح بانطلاق أشغال وفعاليات المؤتمر، الأمر الذي أشاع جواً من الارتياح والطمأنينة".
وأضاف: "جاء في حيثيات قرار القضاء الإداري المستعجل: حرية الاجتماع ليست امتيازًا تمنحه الإدارة، بل هي حق أساسي يقع على عاتق السلطات العمومية واجب حمايته وضمانه. ولا يجوز إصدار قرار بالمنع إلا كملاذ أخير، عندما لا تكون هناك أيّ تدابير أخرى كافية للحفاظ على النظام العام. وهذا الإثبات لم يتم تقديمه من طرف الوزارة".
ولفت الفالح الانتباه إلى أن "وزارة الداخلية الفرنسية أنها ستستأنف الحكم أمام مجلس الدولة الإداري، غير أن هذا الاستئناف لا يوقف الحكم القضائي، أي لا يوقف انطلاق فعاليات المؤتمر".
وقال: "الحقيقة أن قرار وزارة الداخلية، والحيثيات التي وردت معه، غير مفهوم، بل إنه يحمل في طياته تجنّياً تجاه فعالية لم تشهد على مدى سنوات عديدة من انعقادها حوادث مخلّة بالأمن أو النظام، رغم ازدياد عدد مرتاديها سنة بعد أخرى لتصل إلى بضعة عشرات الآلاف من الزائرين".
وأنهى الفالح تصريحاته لـ "عربي21" قائلا: "الآن واليوم انطلق المؤتمر ليخطّ عيد ميلاده الأربعين، ولعلّ هذا الارتباك الذي حصل بسبب قرار وزارة الداخلية سوف يزيده دعاية ورسـوخاً.. نقف على هذا حين يتمّ في نهاية المؤتمر الإعلان عن نتائجه شكلاً ومضموناً وأعداداً إن شاء الله".
سياق أوسع من التوتر
وتأتي هذه القضية في ظل نقاش متواصل في فرنسا حول التوازن بين متطلبات الأمن والحريات العامة، خاصة ما يتعلق بحرية التنظيم الديني والمدني، في وقت تتزايد فيه الانتقادات لقرارات إدارية يُنظر إليها على أنها تمسّ بحرية التجمع. ويرى متابعون أن قرار المنع، ثم إلغاؤه قضائياً، يعكسان توتراً قائماً بين السلطة التنفيذية والقضاء من جهة، وبين الدولة ومكونات الجالية المسلمة من جهة أخرى.
ومع انطلاق فعاليات النسخة الأربعين من المؤتمر، تتجه الأنظار إلى مخرجاته، وسط ترقب لما إذا كانت هذه الأزمة ستؤثر على حجمه ومضامينه، أو ستمنحه زخماً إضافياً يعزز حضوره في المشهدين الديني والمدني في فرنسا.