خائنة الأعين

عادل الكلباني 
 
إنّ القوانين المقيدة والمعينة على التقليل من الفساد الإداري والمجتمعي التي ارتفعت وتيرتها في هذا العهد المبارك ينبغي أن يصاحبها التذكير بالرقيب الأعلى الذي «يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور» فإن وازع التقوى مع وازع السلطان أكثر أثراً من انفراد أحدهما في قلب المرء.
 
في كتاب الله - عز وجل - آية ينبغي لكل أحد منا أن يدقق النظر في تفاصيل أقواله وأفعاله؛ ليرتسم له معناها، فيراه ويعيش فيه بله أن يفهمه ويستوعبه!
يقول تعالى عن نفسه: "يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور"، "خائنة الأعين" هي النظرة المُريبة أو المختلسة، واستراق النظر إلى ما لا يحلّ. «وما تخفي الصدور» قد لا يزيده التفسير إلا خفاءً، فقد لا يستطيع المرء الإفصاح عمّا يخفيه صدره فضلاً عن محاولة تفسيره، وقد تخفي الصدور خيرا ونصحا، وقد يكون غير ذلك، وهو الأليق بما يقابله من خائنة الأعين، والآية تحذير من الخيانة، وتنبيه المرء إلى أن ذلك وإن خفي على الجليس، فإنه لا يخفى على الخالق جل في علاه.
ولعل أوضح ما يفسر به خائنة الأعين وما تحفي الصدور، هو اقتران إثبات علم الله لذلك في سياق الإنذار بسرعة العذاب وأخذ الظالمين والقضاء بالحق، فهي تبين عظمة علم الله وسعته وإحاطته بكل شيء مهما دق وصغر وخفي في نظر أقرب المجالسين والمراقبين.
وفي كثير من الأحيان يجد العبد نفسه في موضع "الخيانة بالعين"، ولن يستطيع أحد مؤاخذته ولا ملاحظته، وقد يجد له الكثير من الأعذار للغمز والهمز، ولكنها أعذار يخادع بها نفسه، ويسكت بها ضميره.
قد يشرد ذهنك عند سماعك "خائنة الأعين" إلى ما يدندن حوله كثير من الناس من حرمة النظر إلى النساء، وما ذلك إلا محاولة لاختزال الكثير في القليل، والواسع في الضيق، فالنظر إلى النساء تفسر به "خائنة الأعين" في مواضع كثيرة ولكنها ليست كلها ولا تحصر فيها، ولا تلغي ما ترتب على أحكام النظر من أقوال وفقهيات، لكن تبقى تلك "النظرة التي يختطفها ويسترقها الضيف في عورات مضيفه" هي منها ولا شك، وليس الكلام في فقهيات النظر بالأمر الهين، فالنظر إلى العورات والمحرمات قد يهلك صاحبه من حيث لا يشعر، وفي أحاديث النهي عن تتبع العورات والزلات جزئية من هذا المعنى العظيم، وقد أحسن من قال:
كلُّ الحوادثِ مبدؤها من النظرِ
ومُعظَمُ النارِ مِنْ مُستَصْغرِ الشَررِ
كم نظرةٍ فتكت في قلب صاحبها
فتكُ السهامِ بلا قوسٍ ولا وترِ
وفي التنزيل العزيز: "ولا تمدَّنّ عينيك إلى ما متعنا به أزواجًا منهم زهرة الحياة الدنيا"، وإن كان معناها أشمل، ومن هذا المنطلق تسد أعظم الأبواب التي منها تربو وتتراكم "خفايا الصدور" فما تلحظه العين يورث فكرًا وهواجس وقد تكون منها المهلكات والموبقات، وبين خائنة الأعين وخفايا الصدور يتقلب الكثير من الناس، ولكن كل واحد منهم يبني بينه وبين لحظاته وخطراته كثيرًا من حواجز الأعذار الوهمية، يتذرع بها لإشباع رغباته ونزواته، ومثل ذلك الكثير من مواقف الحياة يجد المرء نفسه بعيدًا عن أعين النقد والمراقبة واللوم، وتتيسر له سبل المصالح والانتفاع على حساب دينه أو وطنه أو عشيرته أو أهله أو زملائه في عمل أو تجارة ونحو ذلك، قد ينجو بأيسر الأعذار من محاسبة الخلق، فالخلق مهما تفننوا في تقنيات المراقبة يبقى لخيانة الأعين وخفايا الصدور آثارها الواضحة والسلبية في المجتمع، قد تخفى على أدق أجهزة المراقبة وأفضل تقنياتها، وفي التاريخ قصة عمر مع البنية وأمها، وقد نهى عن أن يمذق اللبن بالماء، فاحتالت الأم على ابنتها كي تفعل، لكنها أبت، واحتجت الأم بأنهما في مكان لا يراهما فيه عمر، فردت البنت بأنه إن كان عمر لا يراهما فإن رب عمر يراهما.
وهذا هو الحس الذي ينبغي أن يدركه المسلم من معنى الآية التي صدّرت بها المقال، وهي أن أجهزة الرقابة إن لم تستطع أن تمسك الدليل على الخيانة أو الفساد فإن المحرِّم للخيانة والفساد لا تخفى عليه خافية.
ومن هنا فإن القوانين المقيدة والمعينة على التقليل من الفساد الإداري والمجتمعي التي ارتفعت وتيرتها في هذا العهد المبارك ينبغي أن يصاحبها التذكير بالرقيب الأعلى الذي "يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور" فإن وازع التقوى مع وازع السلطان أكثر أثرا من انفراد أحدهما في قلب المرء.
وإن المجتمعات المهتمة بتزكية النفوس يسهل عليها ضبط إيقاع الحياة دون كثير عناء في تتبع المتفننين في الفساد والإفساد.. هذا، والله من وراء القصد.
 


آخر إضافات الموقع

الأكثر مشاهدة