أوجه خيرية الأمة الإسلامية

السوسنة -
الدكتور محمد خلف بني سلامة
 
جامعة العلوم الإسلامية العالمية / كلية الشريعة والقانون
 
لم تنل أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هذه المكانة العالية بين الأمم مصادفة ولا جزافاً، فالله سبحانه وتعالى منزه عن أن يكون في ملكه شيء من ذلك، فكل شيء عنده بمقدار، وهو يخلق ما يشاء ويختار، وعندما أخبر سبحانه أن هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، بين وجه ذلك وعلته في نفس الآية فقال: (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) (آل عمران: 110).
فهذه الأمور الثلاثة العظيمة القدر جعلت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، علماً أن هذه الأمور ليست وحدها التي جعلت هذه الأمة خير أمة، فهناك الكثير من الخلال والصفات الكثيرة التي أهّلت أمة الإسلام لهذه الخيرية، ولكن هذه الأمور الثلاثة أهمها وأعظمها، إذ إن دوام واستمرارية هذه الخيرية لا يكون إلا بإقامتها وأدائها، فإن فقدت هذه الأمور في جيل من أجيال هذه الأمة لم يكن حرياً بهذه الخيرية، التي حظيت بها هذه الأمة. 
وأهم أوجه هذه الخيرية:
الوجه الأول: إيمانها بالله- عز وجل-: 
يتميز إيمان هذه الأمة عن إيمان سائر الأمم بأنه إيمان عام وشامل، يشمل جميع الرسل التي أرسلت، والكتب التي أنزلت على جميع الأمم التي خلت، قال تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ  وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (البقرة: 285).
وقال صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل المشهور في بيان حد الإيمان الواجب على هذه الأمة: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه، ورسوله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره". فحصل لهذه الأمة من الإيمان بجميع الرسل، وجميع الكتب ما لم يحصل لغيرها وذلك باعتبار ما يأتي:  
الوجه الثاني: هذه الأمة هي آخر الأمم:
1. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "نحن الآخرون السابقون...". فأمنت بجميع الرسل والكتب التي قبلها مع إيمانها برسولها الخاتم ،وكتابها المهيمن على جميع الكتب التي قبلها. 
2. إن معظم الأمم التي سبقتها لم تؤمن بمن سبقها من الرسل والكتب، بل كذبوا وكفروا بهم، وهذا الوجه وإن كان فيه تقديم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمعنى اختلف المفسرون في تحديده  إلا أنه الأساس الذي يبني عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن لم يكن هناك إيمان على أساسه يتصور المعروف فيؤمر به، والمنكر فينهى عنه فليس هناك أمر بمعروف ولا نهي عن المنكر بالمعنى الشرعي. 
الوجه الثالث: أنها أمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر: 
أبرز ما تتميز به هذه الأمة عن سائر الأمم، أنها خير أمة أخرجت للناس ولذلك قدمهما الله– عز وجل– في الذكر على الإيمان به تعالى، وقد أمر الله هذه الأمة بأن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وأن يكون فيها من يقوم بذلك فقال– عز وجل-: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ  وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران: 104). كما أوجب النبي  صلى الله عليه وسلم ذلك على أمته على حسب الاستطاعة وهي مراتب فقال : "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان". 
الوجه الرابع: كونها خير الأمم للناس وأنفعها لهم:
لقد قامت هذه الأمة بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان من أعظم المعروف الذي تأمر به هذه الأمة هو الإيمان بالله– عز وجل– وعبادته وحده، ومن أنكر المنكر الذي تنهي عنه وتحذر الناس منه: الإشراك بالله وعبادة غيره من دونه، كما قال عبد الله بن عباس– رضي الله عنهما-: "تأمرونهم بالمعروف، أن تشهدوا أن لا إله إلا الله، والإقرار بما أنزل الله، وتقاتلوهم عليهن ولا إله إلا الله هو أعظم المعروف، وتنهونهم عن المنكر، والمنكر هو التكذيب، وهو أنكر المنكر". 
الوجه الخامس: باعتبارهم أكثر الناس استجابة للأنبياء: 
أشار إلى هذا الوجه الإمام الطبري: بقوله: (وقال آخرون إنما قيل: لأنهم أكثر الأمم استجابة للإسلام، ثم روى عن الربيع البصري أنه قال في الآية: لم تكن أمة أكثر استجابة للإسلام من هذه الأمة ومن ثم قال (كنتم خير أمة أخرجت للناس) (آل عمران: 110). 
ويؤكد ذلك ما جاء في الحديث الصحيح من كونه صلى الله عليه وسلم أكثر الأنبياء تبعاً، كما في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أنا أول شفيع في الجنة لم يصدق نبي من الأنبياء ما صدقت، وإن من الأنبياء نبياً ما يصدقه من أمته إلا رجل واحد" . 
الوجه السادس: كون الكتاب الذي أنزل عليها خير الكتب السماوية:
وهو كذلك من عدة وجوه منها: 
1.  أنه أحسن الحديث الذي أنزله الله تعالى، فقال تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ  يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ) (الزمر: 23). 
2.   لقد تكفل الله تعالى بصيانته وحفظه من التحريف والتبديل والزيادة والنقصان وهي سمة له وحده بخلاف غيره فقال جل وعلا: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ  ) (الحجر: 9).
3.   أنه الكتاب المهيمن على الكتب التي قبله: فهو الكتاب الذي يحمل الصورة الأخيرة لدين الله، وهو المرجع الأخير في هذا الشأن، وهو المرجع المعتمد لعقائد الناس، وشرائعهم ونظام حياتهم. إذ جعله الله الكتاب المهيمن على الكتب المنزلة قبله، فقال تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) (المائدة: 48)، أي: هو الشهيد والأمين والمؤتمن والرقيب والحاكم على كل كتاب قبله كما أثر ذلك عن ابن عباس وغيره. 
الوجه السابع: كون رسول الله أفضل الأنبياء والرسل عليه وعليهم الصلاة والسلام: قال تعالى في حق الرسل السابقين: (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ) (نوح: 1)، وقال تعالى) وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً) (الأعراف: 65) وقال تعالى في حق سيدنا محمد e (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ) (سبأ: 28).  
لقد بين الله– عز وجل– في كتابه العزيز أنه فضل بعض الرسل والأنبياء على بعض فقال تعالى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ) (البقرة:253). قال الإمام ابن كثير: "... ولا خلاف أن الرسل أفضل من بقية الأنبياء وإنّ أولى العزم منهم أفضلهم، وهم الخمسة المذكورون نصاً في آيتين من القرآن في سورة الأحزاب: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) (الأحزاب: 7). ولا خلاف أن محمداً صلى الله عليه وسلم أفضلهم ثم بعده إبراهيم ثم موسى على المشهور  فنبينا صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق قاطبة، وهو سيد البشر، كما أخبر عن ذلك e في قوله: "أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون بم ذاك" 
وكذلك ما جاء في حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فيلصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة". 
وعليه فإن هذه الأمة التي تحظى بأفضل رسل الله وأعلاهم مكانة ومنزلة وأحبهم إليه تعالى فهي حرية بأن تكون خير الأمم فمن رسول الله تعلمت وعلى يديه تربت. 



التعليقات حالياً متوقفة من الموقع