السوسنة - خلقنا الله تعالى شعوبًا وقبائل لنتميز ونتعارف دون أن نفقد جوهرنا وقيمنا وننصهر بالأنماط الأجنبية تماما، يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات: 13].
وهناك العديد من التحديات التي تواجه هويتنا الإسلامية، منها العولمة وهيمنة النموذج الثقافي الواحد، والتشكيك في الثوابت، وتراجع اللغة العربية، والنزعة الاستهلاكية والمادية واهتزاز المرجعية وتشتت الانتباه.
1. هيمنة النموذج الثقافي الواحد (التنميط الثقافي)؛ فتعمل العولمة، مدعومة بالمنصات الرقمية، على فرض نمط حياة أجنبية مادية كمعيار وحيد للرقي والتقدم. وهذا يؤدي إلى "التبعية الثقافية"؛ حيث يقلد الشباب الأنماط الأجنبية في اللباس، والسلوك، وحتى في القيم الأخلاقية، مما قد يضعف الاعتزاز بالهوية الإسلامية. وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من التبعية العمياء للأمم الأخرى، فقال: لتتبعن سنن من كان قبلكم، شبرًا شبرًا وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم، قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟، أي: فمن غيرهم؟ رواه البخاري.
2. التشكيك في الثوابت (سيولة القيم)؛ فالتحول الرقمي أتاح تدفقًا هائلًا للأفكار، مما فتح الباب لنشر الشبهات، والإلحاد، والنسبية الأخلاقية (أي أنه لا يوجد حق مطلق ولا باطل مطلق)، هذا التحدي يمسّ العقيدة مباشرة، ويجعل الفرد في حيرة أمام سيل المعلومات المتناقضة.
3. تراجع اللغة العربية، فاللغة هي وعاء الفكر وحاملة الوحي، فطغيان اللغات الأجنبية والاختصارات الهجينة في الفضاء الرقمي - يضعف صلة الجيل الجديد بالمصادر الشرعية، وبالتراث الأدبي والحضاري للأمة.
4. النزعة الاستهلاكية والمادية؛ فالعولمة الرقمية تروِّج لفكرة أن قيمة الإنسان فيما يملك أو ما يستهلك، وليس فيما يؤمن به أو يقدمه من عمل صالح. وهذا التصادم بين "ثقافة الاستهلاك" و"قيم الزهد والتعفف والقناعة" يمثل تحديًا كبيرًا للتربية الإيمانية.
5. اهتزاز المرجعية وتشتت الانتباه؛ ففي الفضاء الرقمي، يتساوى صوت "المؤثر" غير المختص بصوت "العالم" الراسخ. وهذا التشتت يجعل من الصعب على المسلم بناء وعي شرعي متين، ويؤدي إلى أخذ الفتاوى والقيم من مصادر غير موثوقة لمجرد شهرتها الرقمية.
- ومن أجل أن نكون مؤثرين لا متأثرين، علينا اتباع منهجية واعية، وبيانها فيما يأتي:
أولًا: التمسك بالوحيين؛ وجعل القرآن والسنة هما الميزان الذي نعرض عليه كل ما يرد إلينا من أفكار (ما وافقهما قبلناه، وما عارضهما رددناه).
ثانيًا: تعزيز الوعي الناقد؛ فلا نستقبل كل ما في العالم الرقمي بالتسليم، بل بالتمحيص والتثبت.
ثالثًا: الاعتزاز باللغة العربية، والحرص على تعلمها وتعليمها للأجيال، فهي مفتاح فهم الدين.
رابعًا: التحول من الاستهلاك إلى الإنتاج؛ فبدلًا من أن نكون مجرد مستهلكين للمحتوى الرقمي العالمي، يجب أن نساهم في بناء محتوى إسلامي حضاري قوي، يبرز جمال إسلامنا وقيمه.
خامسًا: بناء القدوة الحقيقية، والالتفاف حول العلماء والمربين الثقات، وتقوية الروابط الأسرية التي هي الحصن الأول للهوية.
هذا؛ ولا يخفى أن التقدم الرقمي وسيلة عظيمة لخدمة الدين إذا أحسنا استخدامها بوعي وإيمان. والمؤمن القوي في دينه وعقله هو الأقدر على خوض غمار العولمة دون أن يضل الطريق.