مسلمون ينظّفون مخلّفات رأس السنة في ألمانيا .. ما القصة

السوسنة
 بعد التصريحات المثيرة للجدل للمستشار الألماني فريدريش ميرتس حول المشكلة المتعلقة بالمشهد العام في المدن الألمانية وربطها بإخفاقات الحكومات الألمانية السابقة في سياسة الهجرة، قام شبان مسلمون في برلين، ومدن أخرى، للمشاركة في إزالة مخلّفات ليلة رأس السنة.

ورغم أن ميرتس لم يذكر العرب أو المسلمين صراحة، فإن الرسالة، عند أغلب سكان ألمانيا، فُهمت ضمن هذا السياق، وخرج ألمان إلى الشوارع معبرين عن رفضهم للتصريحات التي اعتبرها كثيرون عنصرية، وشاركت في الاحتجاجات شخصيات من الائتلاف الحاكم نفسه.
معلوم أن ألمانيا كانت في حاجة ماسة للمهاجرين في تاريخها المعاصر، وأن الملايين من هؤلاء الذين جاؤوا من تركيا واليونان وإيطاليا وإسبانيا، ولاحقا من سوريا ودول عربية وآسيوية، كانوا سببا رئيسيا في خروج ألمانيا من الكارثة السياسية والاقتصادية التي هبطت إليها خلال الحرب العالمية الثانية، والمصاعب التي واجهتها بعد الوحدة بين الألمانيتين.
تمثّل تصريحات ميرتس، على أية حال، نموذجا لتيّار غربيّ يزداد اتساعا، وإن كان هذا الاتجاه وجد ميدانا لتطبيقه في سياسات الإدارة الأمريكية المروّعة ضد المهاجرين، على اختلاف جنسياتهم، فإن الأخطر من ذلك أنه تبلور مؤخرا في وثيقة مطولة أصدرتها إدارة ترامب لشرح استراتيجية الأمن القومي الأمريكي في العالم، ووجّهت فيها انتقادات لاذعة لأوروبا، محذرة من أن القارة تواجه «اندثار الحضارة» بسبب الهجرة، وترحّب بأحزاب اليمين المتطرّف، من دون ذكر كبير لوجود تهديد روسي أو صيني، بحيث يغدو المهاجرون واللاجئون هم الخطر الرئيسي على «العالم المتحضر».
هناك جانب آخر أكثر حلكة لهذه المسألة ويتعلّق بالمعنى الذي تشكّله إسرائيل للعالم الغربيّ، وبأثر السياسة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في تأجيج المخيّلة الإبادية الأوروبية، وهو ما يفسّر، بأشكال عديدة، صعود تيارات اليمين الاستئصالي الغربي، وهناك أمثلة بارزة على ذلك، بينها على سبيل المثال لا الحصر، زيارة تومي روبنسون، الناشط العنصريّ البريطاني لإسرائيل، وسعار اللوبي الإسرائيلي في بريطانيا أيضا ضد الناشطين المؤيدين لفلسطين.
فهم الشبان المسلمون المذكورون آنفا ـ وربما أغلبهم كانوا ألمانيي الجنسية واللغة ـ أن المبادرات السلمية الإيجابية، والتعاون مع المنظمات الألمانية والحقوقية العالمية، هو الردّ الديمقراطي و«الحضاريّ» المناسب على التيارات اليمينية التي تتجنّب معالجة الأسباب الحقيقية للمشاكل الاقتصادية في أوروبا، وتحوّلها بدلا من ذلك إلى خزان كراهية ضد الأجانب والمهاجرين والأقليات.
من خلال مبادرة التنظيف المذكورة، التي شارك فيها 20 ألف شاب وفتاة (نصفهم تقريبا من المسلمين) في تنظيف 240 مدينة ألمانية، وتخلّصوا خلالها من آلاف أكياس القمامة، قام أولئك الشبان، عمليا، بتوجيه رسالة رمزية عالمية، وبالتخلّص من «قمامة» الهراء العنصريّ الذي يحاول أن يدمّر الحضارة الإنسانية.
في اليوم نفسه، كان عمدة نيويورك الجديد، زهران ممداني، بعد تأديته يمينه على نسخة من القرآن، يقدّم رسائل مباشرة ورمزية مشابهة للأمريكيين، من آرائه المعلنة المؤيدة للقضية الفلسطينية، وتهديده باعتقال بنيامين نتنياهو إذا وضع قدميه في نيويورك، وتأكيده أنه اشتراكي في عاصمة الرأسمالية في العالم، إلى وعوده بالعمل لمكافحة غلاء المعيشة، وتوفير رعاية الأطفال للجميع، وإقامة متاجر كبرى بأسعار مخفضة، وتوفير وسائل نقل عام مجانية، فإن من المتوقع، أو المأمول، أيضا أن يقف في مواجهة سياسات ترامب التي تطارد المهاجرين، وبذلك يقدّم، كما فعل شبان ألمانيا المسلمون، «تنظيفا» للسنة الآفلة، التي كانت من أقسى السنوات على المسلمين والعرب، واللاجئين والمهاجرين في العالم.