أنماط الملكية في الاقتصاد الإسلامي

السوسنة
إنّ الأصل في المُلك هو لله تعالى وحده، يقول الله تعالى: ﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [سورة النور: 33]، ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [سورة الحديد: 7]. ثم من خلال النصوص الشرعية للإسلام، نبعت أنماط الملكية التالية: الملكية المشاعية للمباحات العامة المادية، ثم الملكية العامة، ثم الملكية الخاصة، ثم الملكية المجموعية؛ كملكيات أصيلة لها نصوص معينة في القرآن والسنة.

ثم ظهرت الملكية المختلطة في الاقتصاد الإسلامي وفقاً لقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [سورة الزمر: 18]، فعندما ظهرت الملكية المختلطة في الاقتصاد العالمي استوعبها الاقتصاد الإسلامي حسب هذه الآية الكريمة؛ ثم هذّبها وروّضها لتتوافق شروطها وكينونتها مع الأحكام الشرعية؛ وأصبحت الملكية الخامسة الحادثة غير الأصلية فيه. وبهذا، أصبحت هناك خمسة أنماط من الملكيات في الاقتصاد الإسلامي: أربعة منها ملكيات أصلية تستند إلى نصوص شرعية من القرآن والسنة، وملكية جديدة معاصرة هي الملكية المختلطة، والتي أُقرّت وفقاً للاجتهاد الفقهي على ضوء القرآن والسنة والمصادر الأخرى للشريعة الإسلامية.

وهذا يعني أن الاقتصاد الإسلامي يتضمن خمسة أنواع من القطاعات الاقتصادية النابعة من هذه الملكيات الخمس، هي:

القطاع المشاعي (أي: قطاع المباحات العامة المادية) النابع من الملكية المشاعية المادية.
القطاع العام النابع من الملكية العامة.
القطاع الخاص النابع من الملكية الخاصة.
القطاع المجموعي النابع من الملكية المجموعية.
القطاع المختلط النابع من الملكية المختلطة.
فالقطاعات الأربعة، بدءاً من القطاع الثاني، تُعَدُّ قطاعات فعَّالة تستطيع الدخول إلى مختلف النشاطات الاقتصادية من إنتاج واستثمار واستهلاك وغيرها، وتدخل فعالياتها الإنتاجية في عمليات احتساب الدخل القومي. أما القطاع الأول (القطاع المشاعي المادي)، فإنه لا يدخل مباشرة في النشاطات الاقتصادية؛ لكون ثرواته طبيعية لم تتدخل الجهود البشرية في زراعتها وتنميتها، مما يُبقي عليها مشاعية، ومن ثم يُوزّع نتاجها مجانًا، عكس منتجات القطاعات الأربعة الأخرى التي أنتجتها الجهود البشرية، والتي تدخل إلى الدورة الاقتصادية من خلال التيار النقدي للاقتصاد الكلي للبلد الإسلامي. وعلى هذا، فإن منتجات وثروات القطاع المشاعي تُعَدُّ ضمانةً ورصيدًا قويًّا للدخل القومي في الاقتصاد الإسلامي، ويستطيع جميع أفراد المجتمع الأخذ والانتفاع منها بشكل مجاني، وتدخل هذه المأخوذات بشكل مستقل في عمليات احتساب الدخل القومي.

حدود الملكية الفردية
يُقر الاقتصاد الإسلامي بحق الملكية الفردية غير المحدودة كمّاً، وغير المطلقة قيداً. ويبيح الإسلام للإنسان تملك الأراضي والآلات والمصانع، كما يبيح له تملك الألبسة والأواني وأثاث البيت وأمتعته. وقد وضعت الشريعة الإسلامية التخطيط الشامل للحياة الاقتصادية، كما في سنوات الأزمة في قصة النبي يوسف عليه السلام، ويوفر للإنسان الحافز والحرية المنضبطة شرعاً لاكتساب الرزق والتماس المعاش. ولكي تكون الحرية الفردية مكفولة ومضمونة، يجب أن يُعطى الفرد حق الملكية في وسائل الاقتصاد وتدبيره وتنظيمه.

أما إذا سُلب هذا الحق من الفرد وأُمِّمَت وسائل الإنتاج من قِبل الدولة، فإن هذا يعني إلغاء حريته الفردية وملكيته الخاصة؛ لأن تأميم وسائل الإنتاج والربح الفردي يعني خضوع جميع أفراد المجتمع للإدارات والمنظمات العامة التي تسيطر على اقتصاد الدولة ومصادرها وتوجيهاتها، وهذا يعني حرمان الفرد من حريته الفطرية والشرعية نحو الإنتاج والاستثمار والتطور والنمو المطّرد والمستمر.

وفي دليل احترام الملكيات الخاصة في الاقتصاد الإسلامي، يقول الله تعالى: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ [سورة النساء: 32]، فلكلٍّ نصيب من الرزق، ولا يجب أن يتعدى إنسان على حق إنسان آخر. لذا، كان للسارق المتعدي على حق غيره عقوبة رادعة بيّنها الله تعالى في قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة المائدة: 38]. ويقول رسول الله ﷺ: “كُلُّ المُسْلِمِ علَى المُسْلِمِ حَرامٌ: دَمُهُ، ومالُهُ، وعِرْضُهُ” [صحيح مسلم، رقم الحديث: 2564]. ويقول عليه الصلاة والسلام: “مَنْ قُتِلَ دُونَ مالِهِ فهوَ شَهيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فهوَ شَهيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فهوَ شَهيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دُونَ أهلِهِ فهوَ شَهيدٌ” [سنن الترمذي، رقم الحديث: 1421].

ملكية وسائل الإنتاج والمصالح العليا للأمة
إن ملكية وسائل الإنتاج بأنواعها: المشاعية لثروات المباحات العامة المادية، والعامة، والخاصة، والمجموعية، والمختلطة، تشكل الأركان الأساسية للاقتصاد الإسلامي، حيث يتحدد التوزيع الرئيسي للدخول على أساسها في ظل الحرية الاقتصادية المنضبطة بأحكام الشريعة الإسلامية، وهو ما يحقق العدالة والتوازن والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في جميع المجالات الحياتية المختلفة للبلد الإسلامي.

كما يقوم الاقتصاد الإسلامي على أسس معتدلة ومتوازنة؛ فلا يتعصب للفرد على حساب الجماعة، ولا يتحمس للجماعة على حساب الفرد، فهو يوفّق بين المصلحتين، وكذلك المصالح الأخرى النابعة من الملكيات الأخرى في آن واحد؛ لأن الفرد عضو في هذه الجماعة وليس كمًّا مهملًا ضائعًا من أي اعتبار، وإنما هو كيان له ما للجماعة من المصالح والمنافع.

وفي أنواع الملكية تلك، لا تُسقط الشريعة الإسلامية من حسابها مصلحة الفرد ولا مصلحة الجماعة ولا المصالح الأخرى للمجتمع الإسلامي، بل تحقق جميع هذه المصالح في آن واحد؛ من دون التضحية النهائية بأحدها أو ببعضها من أجل الأخرى. وهي تضبط هذه وتلك بضوابط تتفق مع العدالة والإنصاف ولا تتنافى معها، ولا تترك العنان لإحدى المصالح الخمس (النابعة من المباحات العامة المادية، والملكية العامة، والخاصة، والمجموعية، والمختلطة) بأن تطغى على بعضها أو كلها لأجل نفسها، بل توازن بينها بشكل دقيق، فإذا زادت من إحداها أو قللتها، فلا يكون ذلك على حساب الأخرى، بل تزيد وتنقص منها حسب المصالح العليا للأمة.

استقلالية الاقتصاد الإسلامي عن المذاهب والنظم الاقتصادية الوضعية
لا يتفق الاقتصاد الإسلامي مع الرأسمالية الوضعية، التي تعد الملكية الخاصة المطلقة هي المبدأ، ولا مع الاشتراكية الوضعية التي ترى أن الملكية العامة أو الاجتماعية المطلقة هي المبدأ، ولكنه يعتمد مبدأ الملكية الخماسية، أي الملكية ذات الأشكال الخمسة المتنوعة. فهو يؤمن بملكية: المباحات العامة المادية، والعامة، والخاصة، والمجموعية، والمختلطة، ويخصص لكل منها حقلاً خاصاً تعمل فيه[1]. 

إذن، من الخطأ أن يُسمّى المجتمع الإسلامي مجتمعاً رأسمالياً وإن سمح بالملكية الخاصة لبعض من رؤوس أموال الأمة ووسائل الإنتاج؛ لأن الملكية الخاصة عنده ليست هي القاعدة العامة. كما أن من الخطأ أن نطلق على المجتمع الإسلامي مجتمعاً اشتراكياً وإن أخذ بمبدأ الملكية العامة (أو ملكية الدولة حسبما يطلق عليها بعض الكتّاب) لبعض من الثروات ورؤوس الأموال ووسائل الإنتاج للأمة؛ لأن الشكل الاشتراكي للملكية ليس هو القاعدة العامة في منظوره. وكذلك من الخطأ أيضاً أن يُعدَّ مزيجاً مركباً من هذا وذاك؛ لأن وجود الملكيتين العامة والخاصة في المجتمع الإسلامي لا يعني أن الاقتصاد الإسلامي مزيج بين المذهبين الوضعيين الرأسمالي والاشتراكي أو أنه أخذٌ من كلٍّ منهما، وإنما يأتي ذلك التنوع الخماسي في أشكال الملكية من تصميم مذهبي أصيل، قائم على أسس وقواعد فكرية خاصة ومعينة، وموضوع ضمن إطار خاص من القيم والمفاهيم والأحكام الإسلامية المستقلة، وهي تتناقض جذرياً مع الأسس والقواعد والقيم والمفاهيم التي قامت عليها الرأسمالية والاشتراكية الوضعيتان[2].

حق التملك في الإسلام[3]
أقر الإسلام التملك، وعدَّه من الحقوق المشروعة للإنسان. وقد ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة العديد من الأدلة الشرعية التي تبين حق التملك. قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [سورة التوبة: 103]، وقال تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [سورة الذاريات: 19]، وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ ‎﴿٢٤﴾‏ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [سورة المعارج: 24-25]، وقول رسول الله ﷺ: “إِنَّ دِمَاءَكُمْ وأَمْوَالَكُمْ وأَعْرَاضَكُمْ علَيْكُم حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَومِكُمْ هذا” [صحيح البخاري، رقم الحديث: 1739]. فقد بيّن العلماء أن معنى الآيات، والضمير المتصل في كلمة “أموالهم”، يشير إلى مشروعية التملك. لكن الملكية في التشريع الإسلامي ليست مطلقة، فهي مقيدة بضوابط تحددها الشريعة الإسلامية، فيها تحقيق للعدل، وللمصالح العامة للفرد والأمة[4].
"إسلام ويب"