نبينا صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة - الشيخ صلاح نجيب الدق

نبينا صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة - الشيخ صلاح نجيب الدق


22/12/2015 15:13

 الحمد لله الذي له ملك السموات والأرض، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم، والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي أرسله الله هاديًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إليه بإذنه وسراجًا منيرًا، أما بعد:

فإن نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم هو القدوة الحسنة التي ينبغي على كل مسلم أن يقتدي بها في أقواله وأفعاله؛ ليسعَد في الدنيا والآخرة، فأقول وبالله تعالى التوفيق:

بسم الله الرحمن الرحيم

• يقول الله تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾  [الأحزاب: 21].

قال الإمام ابن كثير (رحمه الله): "هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله؛ ولهذا أمر الناس بالتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب، في صبره ومصابرته، ومرابطته ومجاهدته، وانتظاره الفرج من ربه عز وجل، صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين؛ ولهذا قال تعالى للذين تقلقوا وتضجروا وتزلزلوا واضطربوا في أمرهم يوم الأحزاب: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ [الأحزاب: 21]؛ أي: هلَّا اقتديتم به وتأسيتم بشمائله!"؛ (تفسير ابن كثير جـ 9 صـ: 391).

 

(1) نبينا صلى الله عليه وسلم القدوة في العبادة:

قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا * إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا * رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ﴾ [المزمل: 1 - 9].

 

امتثَل النبي صلى الله عليه وسلم لأمر ربه سبحانه، فاجتهد في عبادة الله تعالى.

(1) روى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تتفطَّر قدماه، فقالت عائشة: لِمَ تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: ((أفلا أحب أن أكون عبدًا شكورًا))، فلما كثر لحمه، صلَّى جالسًا، فإذا أراد أن يركع قام فقرأ ثم ركع؛ (البخاري حديث 4837/ مسلم حديث 2820).

 

(2) روى مسلم عن حذيفة قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلًا؛ إذا مر بآية فيها تسبيح سبَّح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوُّذ تعوَّذ، ثم ركع، فجعل يقول: ((سبحان ربي العظيم))، فكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم قال: ((سمع الله لمن حمده))، ثم قام طويلًا قريبًا مما ركع، ثم سجد، فقال: ((سبحان ربي الأعلى))، فكان سجوده قريبًا من قيامه؛ (مسلم حديث 772).

 

(3) روى مسلم عن عبدالله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا أيها الناس، توبوا إلى الله؛ فإني أتوب في اليوم إليه مائة مرة))؛ (مسلم حديث: 2702).

 

(4) روى أبو داود عن عبدالله بن عمر قال: إن كنا لنعُدُّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة: ((رب، اغفر لي، وتب عليَّ؛ إنك أنت التواب الرحيم))؛ (حديث صحيح) (صحيح أبي داود للألباني حديث: 1342).

 

(2) نبينا صلى الله عليه وسلم القدوة في الصبر على البلاء:

قال الله تعالى مخاطبًا نبينا صلى الله عليه وسلم: ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [الأحقاف: 35]، وقال جل شأنه: ﴿ وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا ﴾ [المزمل: 10].

 

لقد ابتُلِي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وتحمَّل من الأذى - من أجل نشر الإسلام - ما لا يستطيع إنسان أن يتحمله.

 

ويمكن أن نذكر من ذلك - على سبيل المثال - ما يلي:

(1) روى البخاري عن عروة بن الزبير قال: سألت ابن عمرو بن العاص: أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون بالنبي صلى الله عليه وسلم، قال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في حِجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنقه، فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ﴿ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ﴾ [غافر: 28]؛ (البخاري حديث: 3856).

 

(2) روى الشيخان عن عبدالله بن مسعود قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس، وقد نُحرت جزور بالأمس، فقال أبو جهل: أيكم يقوم إلى سَلَا جزور بني فلان فيأخذه فيضعه في كتفي محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم فأخذه، فلما سجد النبي صلى الله عليه وسلم وضعه بين كتفيه، قال: فاستضحكوا، وجعل بعضهم يميل على بعض، وأنا قائم أنظر، لو كانت لي منعة طرحته عن ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم ساجد ما يرفع رأسه، حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة، فجاءت وهي جُوَيريةٌ، فطرحته عنه، ثم أقبلت عليهم تشتمهم، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته، رفع صوته، ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا دعا ثلاثًا، وإذا سأل سأل ثلاثًا، ثم قال: اللهم عليك بقريش ثلاث مرات، فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك، وخافوا دعوته، ثم قال: اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عقبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، وذكر السابع ولم أحفظه، فوالذي بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم بالحق، لقد رأيت الذين سمى صَرْعَى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب (البئر) قليب بدر؛ (البخاري حديث 52/ مسلم حديث 1794).

 

(3) روى الترمذي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لقد أُخِفْتُ في الله وما يخاف أحد، ولقد أوذيتُ في الله وما يؤذى أحد، ولقد أتَتْ عليَّ ثلاثون من بين يوم وليلة وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إِبْطُ بلال))؛ (حديث صحيح) (صحيح الترمذي للألباني حديث 2012).

 

• قال أبو عيسى الترمذي: معنى هذا الحديث: حين خرج النبي صلى الله عليه وسلم هاربًا من مكة ومعه بلال، إنما كان مع بلال من الطعام ما يحمله تحت إِبْطه؛ (سنن الترمذي جـ 4 صـ 556).

 

(4) روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سيف القَيْن (الحداد)، وكان ظِئرًا لإبراهيم عليه السلام (زوج مرضعته)، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيمَ، فقبَّله، وشَمَّه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه، فجعلَتْ عينَا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان (يجري دمعهما)، فقال له عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه: وأنت يا رسول الله؟ فقال: ((يا بن عوف، إنها رحمة))، ثم أتبعها بأخرى (أتبع الدمعة بأخرى)، فقال صلى الله عليه وسلم: ((إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يَرضى ربُّنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون))؛ (البخاري حديث: 1303).

 

(5) روى الشيخان عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوعك وعكًا شديدًا، فمسسته بيدي فقلت: يا رسول الله، إنك لتوعك وعكًا شديدًا؟! (يصيبك الألم والتعب)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم))، فقلت: ذلك أن لك أجرين؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أجل))، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من مسلم يصيبه أذًى، مرض فما سواه، إلا حط الله له سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها))؛ (البخاري حديث: 5660/ مسلم حديث: 2571).

 

(6) روى الشيخان عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، قال: لما كان يوم حنين، آثر النبي صلى الله عليه وسلم أناسًا (اختارهم وخصهم بشيء عن غيرهم) في القسمة (قسمة الغنائم)، فأعطى الأقرع بن حابس مائةً من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى أناسًا من أشراف العرب، فآثرهم يومئذ في القسمة، قال رجل (من المنافقين): والله إن هذه القسمة ما عدل فيها، وما أريد بها وجه الله، فقلت: والله لأخبرن النبي صلى الله عليه وسلم، فأتيته، فأخبرته، فقال: ((فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله، رحم الله موسى قد أوذي بأكثرَ من هذا فصبر))؛ (البخاري حديث: 3150/ مسلم حديث: 1062).

 

(7) إيذاء أهل الطائف لنبينا صلى الله عليه وسلم:

لما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تكن تنال منه في حياة عمه أبي طالب، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، يلتمس النصرة من ثقيف، والمنعة بهم من قومه، ورجاء أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله عز وجل، فخرج إليهم وحده، فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، عمد إلى نفر من ثقيف، هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم، وهم إخوة ثلاثة: عبدياليل بن عمرو بن عمير، ومسعود بن عمرو بن عمير، وحبيب بن عمرو بن عمير، وعند أحدهم امرأة من قريش من بني جمح، فجلس إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاهم إلى الله، وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام والقيام معه على من خالفه من قومه، فقال له أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك، وقال الآخر: أمَا وجد الله أحدًا يرسله غيرك، وقال الثالث: والله لا أكلمك أبدًا، لئن كنت رسولًا من الله كما تقول، لأنت أعظم خطرًا من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندهم وقد يئس من خير ثقيف، وقد قال لهم: ((إذا فعلتم ما فعلتم، فاكتموا عني))، وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ قومه عنه، فيُذْئِرهم ذلك عليه، فلم يفعلوا، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس وألجؤوه إلى حائط (بستان) لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، وهما فيه، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه، فعمَد إلى ظل حبلة من عنب فجلس فيه، وكان ذهاب الرسول إلى الطائف وعودته منها سيرًا على الأقدام؛ (سيرة ابن هشام جـ 2 صـ 29: صـ 31).

 

(8) طلَّق عتبة بن أبي لهب رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك طلق أخوه عتيبة أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك قبل الدخول بهما، بغضًا في رسول الله حين أنزل الله سورة المسد: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ﴾ [المسد: 1 - 5]؛ (البداية والنهاية لابن كثير جـ 3 صـ 268).

 

(3) نبينا صلى الله عليه وسلم القدوة في الزهد:

(1) روى الشيخان عن عائشة أنها قالت: ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم من خبز شعير يومين متتابعين حتى قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ (البخاري حديث 5416/ مسلم حديث 2970).

 

(2) روى البخاري عن عائشة قالت: كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم من أدم وحشوه من ليف؛ (البخاري حديث 6456).

 

(3) روى مسلم عن سماك بن حرب قال: سمعت النعمان يخطب قال: ذكر عمر ما أصاب الناس من الدنيا، فقال: لقد رأيتُ رسول صلى الله عليه وسلم يظل اليوم يلتوي ما يجد دَقَلًا (رديء التمر) يملأ به بطنه؛ (مسلم حديث 2978).

 

(4) روى البخاري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما أكل آل محمد صلى الله عليه وسلم أكلتين في يوم إلا إحداهما تمر؛ (البخاري حديث 6455).

 

(5) روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعُه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير؛ (البخاري حديث 2916).

 

(4) نبينا صلى الله عليه وسلم القدوة في العفو عن الناس:

(1) روى البخاري عن جابر بن عبدالله قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة نجد، فلما أدركته القائلة وهو في وادٍ كثير العضاه، فنزل تحت شجرة واستظل بها، وعلق سيفه، فتفرق الناس في الشجر يستظلون، وبينا نحن كذلك إذ دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجئنا، فإذا أعرابي قاعد بين يديه، فقال: ((إن هذا أتاني وأنا نائم، فاخترط سيفي، فاستيقظت وهو قائم على رأسي، مخترط صلتًا، قال: من يمنعك مني؟ قلت: الله، فشامه ثم قعد، فهو هذا))، قال: ولم يعاقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ (البخاري حديث 4139).

 

(2) روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن يهوديةً أتت النبي صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة فأكل منها، فجيء بها فقيل: ألا نقتلها؟ قال: ((لا))، فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ (البخاري حديث 2617).

 

(3) لما فتح الرسول صلى الله عليه وسلم مكة، اجتمع له أهلها عند الكعبة، ثم قال: ((يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل فيكم؟)) قالوا: خيرًا، أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: ((اذهبوا فأنتم الطلقاء))؛ (سيرة ابن هشام جـ 4 صـ 412).

 

(4) روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلًا قِبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((ما عندك يا ثمامة؟))، فقال: عندي خير يا محمد، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تُنعم تُنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال، فسل منه ما شئت، فتُرِك حتى كان الغد، ثم قال له: ((ما عندك يا ثمامة؟)) قال: ما قلت لك، إن تنعم تنعم على شاكر، فتركه حتى كان بعد الغد، فقال: ((ما عندك يا ثمامة؟))، فقال: عندي ما قلت لك، فقال: ((أطلقوا ثمامة))، فانطلق إلى نجل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، يا محمد، والله ما كان على الأرض وجه أبغض إليَّ من وجهك، فقد أصبح وجهُك أحبَّ الوجوه إليَّ، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك أحبَّ الدين إليَّ، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إلي، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشَّره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: صبوتَ؟ قال: لا، ولكن أسلمت مع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبةُ حنطة حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم؛ (البخاري حديث 4372).

 

(5) روى مسلم عن عائشة قالت: سحَر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يهوديٌّ من يهود بني زريق، يقال له: لَبِيد بن الأعصم، قالت: حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخيَّل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله، حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دعا، ثم دعا، ثم قال: ((يا عائشة، أشعَرْتِ أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه، جاءني رجلان، فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رأسي للذي عند رجلي أو الذي عند رجلي للذي عند رأسي: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب (مسحور)، قال: مَن طبَّه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة، قال: وجف طلعة ذكر، قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذي أروان، قالت: فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أناس من أصحابه، ثم قال: يا عائشة، والله لكأن ماءها نقاعة الحناء، ولكأن نخلها رؤوس الشياطين))، قالت: فقلت: يا رسول الله، أفلا أحرقته، قال: ((لا، أما أنا فقد عافاني الله، وكرهتُ أن أثير على الناس شرًّا، فأمرت بها فدفنت))؛ (مسلم حديث 2189).

 

(5) نبينا صلى الله عليه وسلم القدوة في العدل:

(1) روى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها: أن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: ومن يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فكلَّمه أسامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أتشفع في حد من حدود الله؟!))، ثم قام فاختطب، ثم قال: ((إنما أهلك الذين قبلكم: أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطعتُ يدها))؛ (البخاري حديث 3475/ مسلم حديث 1688).

 

(2) روى مسلم عن جابر بن عبدالله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (وذلك في حجة الوداع): ((وربا الجاهلية موضوع، وأول ربًا أضع ربانا رِبَا عباس بن عبدالمطلب، فإنه موضوع كله))؛ (مسلم حديث 1218).

 

(3) روى أبو داود عن عروة بن الزبير قال: قالت عائشة: يا بن أختي، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفضِّل بعضنا على بعض في القسم، من مكثه عندنا، وكان قل يوم إلا وهو يطوف علينا جميعًا، فيدنو من كل امرأة من غير مسيس (جماع)، حتى يبلغ إلى التي هو يومها فيبيت عندها؛ (حديث حسن صحيح) (صحيح أبي داود للألباني حديث 1868).

 

(6) نبينا صلى الله عليه وسلم القدوة في الشجاعة:

(1) روى مسلم عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس، وكان أجود الناس، وكان أشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق ناس قِبَل الصوت، فتلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعًا وقد سبقهم إلى الصوت، وهو على فرس لأبي طلحة عري في عنقه السيف، وهو يقول: ((لم تراعوا، لم تراعوا))، قال: ((وجدناه بحرًا، أو: إنه لبحر))، قال: وكان فرسًا يبطَّأُ؛ (أي معروف بالبطء والعجز وسوء السير)؛ (مسلم حديث 2307).

 

(2) روى مسلم عن البراء قال: كنا والله إذا احمرَّ البأس (القتال) نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به، يعني النبي صلى الله عليه وسلم؛ (مسلم حديث 1776).

 

(7) نبينا صلى الله عليه وسلم القدوة في الوفاء:

(1) روى مسلم عن حذيفة بن اليمان، قال: ما منعني أن أشهد بدرًا إلا أني خرجت أنا وأبي حسيل، فأخذَنا كفارُ قريش، قالوا: إنكم تريدون محمدًا، فقلنا: ما نريده، ما نريد إلا المدينة، فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة، ولا نقاتل معه، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرناه الخبر، فقال: ((انصرفا، نَفِي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم))؛ (مسلم حديث 1787).

 

(2) روى أبو داود عن أبي رافع، قال: بعثتني قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ألقي في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله، إني والله لا أرجع إليهم أبدًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إني لا أَخِيسُ (أي أنقض) بالعهد، ولا أحبس البُرُد (حامل الرسالة)، ولكن ارجع، فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن، فارجع))، قال: فذهبت، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأسلمت؛ (حديث صحيح) (صحيح أبي داود للألباني حديث 2396).

 

(3) روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما غِرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة، وما رأيتها، ولكن كان النبي صلى الله عليه وسلم يُكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاءً ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة، فيقول: ((إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد))؛ (البخاري حديث: 3818).

 

(8) نبينا صلى الله عليه وسلم القدوة في الكرم:

(1) روى مسلم عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجودُ ما يكون في شهر رمضان، إن جبريل عليه السلام كان يلقاه في كل سنة في رمضان حتى ينسلخ، فيعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، فإذا لقِيَه جبريل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة؛ (مسلم حديث 2308).

 

(2) روى مسلم عن أنس قال: ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئًا إلا أعطاه، قال: فجاءه رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم، أسلِموا؛ فإن محمدًا يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة؛ (مسلم حديث 2312).

 

(9) نبينا صلى الله عليه وسلم القدوة في تكريم المرأة واحترام رأيها:

(1) روى البخاري عن خنساء بنت خذام الأنصارية: أن أباها زوجها وهي ثيب (أي: تزوجت قبل ذلك)، فكرهت ذلك، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فرد نكاحها؛ (البخاري حديث 5138).

 

(2) روى الشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن))، قالوا: كيف إذنها؟ قال: ((أن تسكتَ))؛ (البخاري حديث 5136/ مسلم حديث 1419).

 

(3) روى مسلم عن جابر بن عبدالله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع: ((اتقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرِّح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف))؛ (مسلم حديث: 1218).

 

(4) روى الشيخان عن أم هانئ بنت أبي طالب قالت: ذهبتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح، فوجدته يغتسل وفاطمة ابنته تستره، فسلمت عليه، فقال: ((من هذه؟))، فقلت: أنا أم هانئ بنت أبي طالب، فقال: ((مرحبًا بأم هانئ))، فلما فرغ من غسله، قام فصلى ثماني ركعات ملتحفًا في ثوب واحد، فقلت: يا رسول الله، زعم ابن أمي عليُّ بن أبي طالب أنه قاتلٌ رجلًا قد أجَرْتُه، فلان بن هبيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قد أجرنا مَن أجرت يا أم هانئ))، قالت أم هانئ: وذلك ضحًى؛ (البخاري حديث: 3171/ مسلم حديث: 336).

 

(10) نبينا صلى الله عليه وسلم القدوة في معاملة غير المسلمين:

إن الله تعالى قد أرسل نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، والرسالة الإسلامية الخاتمة، فكان رحمة للعالمين، ولقد كانت الدولة الإسلامية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم رحمة وأمانًا للناس جميعًا، فعاش اليهود والنصارى بجوار المسلمين آمنين على أنفسهم وأموالهم وأماكن عبادتهم، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يعرض عليهم الدخول في الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، ولم يجبر أحدًا منهم على الدخول في الإسلام، وهؤلاء الذين بقُوا على دينهم كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث المسلمين على حسن معاملتهم وعدم التعرض لهم بالأذى، ولم يسفك النبي صلى الله عليه وسلم دم أحد منهم بغير حق.

 

(1) روى أحمد عن أنس بن مالك: أن غلامًا من اليهود كان يخدُمُ النبي صلى الله عليه وسلم فمرض، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده وهو بالموت، فدعاه إلى الإسلام، فنظر الغلام إلى أبيه وهو عند رأسه، فقال له أبوه: أطِعْ أبا القاسم، فأسلم، ثم مات، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده وهو يقول: ((الحمد لله الذي أنقذه بي من النار))؛ (حديث صحيح) (مسند أحمد جـ 21، حديث 13375).

 

(2) روى أبو داود عن صفوان بن سليم أخبره عن عدة من أبناء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آبائهم دِنْيَةً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ألا مَن ظلم معاهَدًا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس، فأنا حَجيجه يوم القيامة))؛ (حديث صحيح) (صحيح أبي داود للألباني حديث 2626).

 

(3) روى البخاري عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن قتَل معاهَدًا لم يَرَحْ رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا))؛ (البخاري حديث 3166).

قال الإمام ابن حجر العسقلاني: قوله صلى الله عليه وسلم: (من قتل معاهدًا) المراد بالمعاهد: هو من له عهد مع المسلمين، سواء كان بعقد جزية أو هدنة من سلطان، أو أمان من مسلم؛ (فتح الباري لابن حجر العسقلاني جـ 12 صـ 271).

 

(4) روى النسائي عن أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن قتل نفسًا معاهدةً بغير حِلِّها، حرَّم الله عليه الجنة أن يشَمَّ ريحها))؛ (حديث صحيح) (صحيح سنن النسائي للألباني جـ 2 صـ 284).

 

(5) روى النسائي عن عمرو بن الحمق الخزاعي رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من آمن رجلًا على دمه، فقتله، فأنا بريء من القاتل، وإن كان المقتول كافرًا))؛ (حديث صحيح) (صحيح الجامع للألباني حديث: 6103).

 

(11) نبينا صلى الله عليه وسلم هو القدوة في بيته:

(1) روى البخاري عن الأسود قال: سألت عائشة: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله، تعني خدمة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة؛ (البخاري حديث 676).

 

(2) روى أحمدُ عن عروة بن الزبير قال: سأل رجل عائشة: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل في بيته شيئًا؟ قالت: نعم، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخصف نعله، ويَخيط ثوبه، ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته؛ (حديث صحيح) (مسند أحمد جـ 42 حديث 25341).

 

(3) روى النسائي عن أبي المتوكل عن أم سلمة: أنها أتت بطعام في صَحْفة (وعاء) لها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فجاءت عائشة متزرةً بكساء ومعها فِهر (حجر)، ففلقت به الصحفة، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم بين فلقتي الصحفة، وقال: ((كلوا، غارت أمكم)) مرتين، ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم صحفة عائشة، فبعث بها إلى أم سلمة، وأعطى صحفة أم سلمة عائشة؛ (حديث صحيح) (صحيح سنن النسائي للألباني جـ 2 صـ 62).

 

(12) نبينا صلى الله عليه وسلم القدوة في التواضع:

قال الله تعالى مخاطبًا النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الحجر: 88].

(1) روى مسلم عن أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ على غلمانٍ فسلَّم عليهم؛ (مسلم حديث 2168).

 

(2) روى الطبراني عن سهل بن حنيف رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي ضعفاء (فقراء) المسلمين، ويزُورهم، ويعُود مرضاهم، ويشهَد جنائزهم؛ (حديث صحيح) (صحيح الجامع للألباني حديث 4877).

 

(3) روى الطبراني عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم: يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، ويعتقل (يحلُب)ُ الشاة، ويجيب دعوة المملوك على خبز الشعير؛ (حديث صحيح) (صحيح الجامع للألباني حديث 4911).

 

(4) روى مسلم عن البراء بن عازب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب ينقل معنا التراب، ولقد وارَى التراب بياض بطنه وهو يقول: ((والله لولا أنت ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا، فأنزلن سكينةً علينا، إن الملا قد أبوا علينا، إذا أرادوا فتنةً أبينا)) ويرفع بها صوته؛ (مسلم حديث 1803).

 

(5) روى الترمذي عن أنس قال: لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وكانوا إذا رأوه لم يقوموا؛ لِما يعلَمون من كراهيته لذلك؛ (حديث صحيح) (مختصر الشمائل المحمدية للألباني حديث 289).

 

(13) نبينا صلى الله عليه وسلم القدوة في تربية الشباب:

روى أحمد عن أبي أمامة قال: إن فتًى شابًّا أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، قالوا: مه مه، فقال صلى الله عليه وسلم: ((ادنُه))، فدنا منه قريبًا، قال: فجلس، قال: ((أتحبه لأمك؟))، قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: ((ولا الناس يحبونه لأمهاتهم))، قال: ((أفتحبه لابنتك؟))، قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك، قال: ((ولا الناس يحبونه لبناتهم))، قال: ((أفتحبُّه لأختك؟)) قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: ((ولا الناس يحبونه لأخواتهم))، قال: ((أفتحبُّه لعمتك؟))، قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: ((ولا الناس يحبونه لعماتهم))، قال: ((أفتحبه لخالتك؟))، قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: ((ولا الناس يحبونه لخالاتهم))، قال: فوضع يده عليه، وقال: ((اللهم اغفر ذنبه، وطهِّر قلبه، وحصِّن فرجه))، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء؛ (حديث صحيح) (مسند أحمد جـ 5 صـ 256 حديث 22265).

 

(14) نبينا صلى الله عليه وسلم القدوة في الإيثار:

• معنى الإيثار:

الإيثار: هو تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنياوية، ورغبة في الحظوظ الدينية، وذلك ينشأ عن قوة اليقين، وتوكيد المحبة، والصبر على المشقة؛ (تفسير القرطبي جـ 18 صـ 28).

 

(1) روى البخاري عن سهل رضي الله عنه: أن امرأةً جاءت النبي صلى الله عليه وسلم ببُردة منسوجة فيها حاشيتها، أتدرون ما البردة؟ قالوا: الشَّملة، قال: نعم، قالت: نسجتُها بيدي، فجئت لأكسوكها، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجًا إليها، فخرج إلينا وإنها إزاره، فحسَّنها فلان، فقال: اكسنيها؛ ما أحسنها! قال القوم: ما أحسنتَ! لبِسها النبيُّ صلى الله عليه وسلم محتاجًا إليها، ثم سألته، وعلمت أنه لا يرد، قال: إني والله ما سألته لألبسه، إنما سألته لتكون كفَني، قال سهل: فكانت كفَنَه؛ (البخاري حديث 1277).

 

(2) روى البخاري عن جابر رضي الله عنه قال: إنا يوم الخندق نحفر، فعرضت كدية شديدة (القطعة الصلبة من الأرض)، فجاؤوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق، فقال: ((أنا نازل))، ثم قام وبطنه معصوب (مربوط) بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقًا، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول فضرب فعاد كثيبًا (رملًا) أهيل (غير متماسك) أو أهيم، فقلت: يا رسول الله، ائذَنْ لي إلى البيت، فقلت لامرأتي: رأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم شيئًا ما كان في ذلك صبر، فعندك شيء؟ قالت: عندي شعير وعَناق (شاة صغيرة)، فذبحت العَناق، وطحنت الشعير، حتى جعلنا اللحم في البرمة (القدر)، ثم جئت النبي صلى الله عليه وسلم والعجين قد انكسر، والبرمة بين الأثافي (الحجارة التي توضع عليها القدور) قد كادت أن تنضج، فقلت: طعيم لي، فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان، قال: ((كم هو؟))، فذكرت له، قال: ((كثير طيب)) قال: ((قل لها: لا تنزع البرمة ولا الخبز من التنور حتى آتي))، فقال: ((قوموا، فقام المهاجرون والأنصار))، فلما دخل على امرأته قال: ويحك جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالمهاجرين والأنصار ومن معهم، قالت: هل سألك؟ قلت: نعم، فقال: ((ادخلوا ولا تضاغطوا))، فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم، ويخمر البرمة والتنور إذا أخذ منه، ويقرب إلى أصحابه، ثم ينزع، فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا، وبقي بقية، قال: ((كُلِي هذا وأهدي؛ فإن الناس أصابتهم مجاعة))؛ (البخاري حديث 4101).

 

(15) نبينا صلى الله عليه وسلم القدوة في الرفق بالناس:

قال الله تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ [آل عمران: 159].

 

وقال سبحانه: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 128].

 

وقال جل شأنه: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107].

(1) روى البخاري عن أبي هريرة: أن أعرابيًّا بال في المسجد، فثار إليه الناس ليقعوا به، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((دعوه وأهريقوا على بوله ذَنوبًا من ماء، أو سَجْلًا من ماء؛ فإنما بعثتم ميسِّرين، ولم تبعَثوا معسِّرين))؛ (البخاري حديث 220).

 

(2) روى الشيخان عن أنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوَّز في صلاتي؛ مما أعلم من شدة وَجْد أمه من بكائه))؛ (البخاري حديث 709/ مسلم حديث 470).

 

(3) روى مسلم عن أبي موسى الأشعري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أحدًا من أصحابه في بعض أمره قال: ((بشِّروا ولا تنفِّروا، ويسِّروا ولا تعسِّروا))؛ (مسلم حديث 1732).

 

(4) روى مسلم عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بيتي هذا: ((اللهم مَن وَلِيَ من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم، فاشقق عليه، ومَن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم، فارفق به))؛ (مسلم حديث 1828).

 

(5) روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان اليهود يسلِّمون على النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: السام عليك، ففطنت عائشة إلى قولهم فقالت: عليكم السام واللعنة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مهلًا يا عائشة! إن الله يحب الرفق في الأمر كله))، فقالت: يا نبي الله، أولم تسمع ما يقولون؟ قال: ((أولم تسمعي أني أرد ذلك عليهم فأقول: وعليكم؟!))؛ (البخاري حديث 6927).

 

(6) روى مسلم عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنزَع من شيء إلا شانه))؛ (مسلم حديث 2594).

 

(7) روى الشيخان عن جرير بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يرحم الله من لا يرحم الناس))؛ (البخاري حديث 7376/ مسلم حديث 2319).

 

(8) روى مسلم عن معاوية بن الحكم السُّلَمي، قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم؛ (أي: نظروا إليَّ بشدة)، فقلت: واثكل أمياه؛ (أي: وافقد أمي إياي؛ فإني هلكت)، ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمِّتونني (أي يسكتونني)، لكني سكت، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله، ما كهرني؛ (أي ما نهرني)، ولا ضربني ولا شتمني، قال: ((إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن))، أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: يا رسول الله، إني حديث عهد بجاهلية، وقد جاء الله بالإسلام، وإن منا رجالًا يأتون الكهان، قال: ((فلا تأتِهِم))، قال: ومنا رجال يتطيرون، قال: ((ذاك شيء يجدونه في صدورهم، فلا يصدنهم))، قال قلت: ومنا رجال يخطُّون، قال: ((كان نبي من الأنبياء يخطُّ، فمن وافق خطه فذاك))، قال: وكانت لي جارية ترعى غنمًا لي قِبَل أُحُد والجوَّانية (مكان قريب من جبل أُحد)، فاطلعت ذات يوم فإذا الذيب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم، آسَفُ؛ (أي أغضب) كما يأسَفون، لكني صككتها صكةً؛ (أي ضربتها على وجهها)، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعظَّم ذلك عليَّ، قلت: يا رسول الله، أفلا أعتقها؟ قال: ((ائتني بها))، فأتيته بها، فقال لها: ((أين الله؟))، قالت: في السماء، قال: ((من أنا؟)) قالت: أنت رسول الله، قال: ((أعتِقْها؛ فإنها مؤمنة))؛ (مسلم حديث: 537).

 

(16) نبينا صلى الله عليه وسلم القدوةُ في المزاح:

(1) روى الترمذي عن أبي هريرة قال: قالوا: يا رسول الله، إنك تداعبنا، قال: ((إني لا أقول إلا حقًّا))؛ (حديث صحيح) (مختصر الشمائل المحمدية للألباني حديث 202).

 

(2) روى أبو داود عن أنس: أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، احملني، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنا حاملوك على ولد ناقة))، قال: وما أصنع بولد الناقة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((وهل تلِدُ الإبلَ إلا النُّوقُ))؛ (حديث صحيح) (صحيح أبي داود للألباني حديث 4180).

 

(3) روى أبو داود عن عوف بن مالك الأشجعي قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم، فسلَّمت فردَّ، وقال: ((ادخل))، فقلت: أكُلِّي يا رسول الله؟! قال: ((كُلُّك))، فدخلت؛ (حديث صحيح) (صحيح أبي داود للألباني حديث 4181).

 

(4) روى أبو داود عن أنس قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا ذا الأُذنين))؛ (حديث صحيح) (صحيح أبي داود للألباني حديث 4182).

 

(17) نبينا صلى الله عليه وسلم القدوة في الإصلاح بين الناس:

(1) روى البخاري عن سهل بن سعد رضي الله عنه: أن أهل قُباء اقتتلوا حتى ترامَوْا بالحجارة، فأُخبِر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: ((اذهبوا بنا نُصلِح بينهم))؛ (البخاري حديث 2693).

 

(2) روى البخاري عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: لَمَّا صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الحديبية، كتب عليُّ بن أبي طالب بينهم كتابًا، فكتب: محمد رسول الله، فقال المشركون: لا تكتُبْ: محمد رسول الله، لو كنت رسولًا لم نقاتلك، فقال لعلي: ((امْحُهُ))، فقال علي: ما أنا بالذي أمحاه، فمحاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، وصالحهم على أن يدخل هو وأصحابه ثلاثة أيام، ولا يدخلوها إلا بجلبان السلاح، فسألوه: ما جلبان السلاح؟ فقال: القراب بما فيه؛ (البخاري حديث 2698).

وهكذا تنازل النبي صلى الله عليه وسلم عن حقه، وهو كتابة: محمد رسول الله، من أجل الصلح.

 

(3) روى الشيخان عن كعب رضي الله عنه: أنه تقاضى ابن أبي حدرد دَينًا كان له عليه في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيته، فخرج إليهما حتى كشف سِجْفَ حجرته، فنادى: ((يا كعب))، قال: لبيك يا رسول الله، قال: ضَعْ مِن دَينِك هذا))، فأومأ إليه أي: الشطر، قال: لقد فعلتُ يا رسول الله، قال: ((قُمْ فاقضِه))؛ (البخاري حديث 2710/ مسلم حديث 1558).

 

(18) نبينا صلى الله عليه وسلم القدوة في الرفق بالحيوانات:

(1) روى أبو داود عن سهل بن الحنظلية قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعير قد لحق ظهره ببطنه، فقال: ((اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة، فاركبوها صالحةً، وكُلوها صالحةً))؛ (حديث صحيح) (صحيح أبي داود للألباني حديث 2221).

 

(2) روى الشيخان عن سعيد بن جبير قال: مر ابن عمر بنفر قد نصبوا دجاجةً يترامونها، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا عنها، فقال ابن عمر: من فعل هذا؟ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن من فعل هذا؛ (البخاري حديث 5515/ مسلم حديث 1958).

 

(3) روى مسلم عن شداد بن أوس قال: ثِنتان حفظتهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((إن الله كتَب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، ولْيُحِدَّ أحدكم شفرتَه، فليُرِحْ ذبيحته))؛ (مسلم حديث 1955).

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.