الملامح العامة لسبل إحسان الفرد المسلم للوجود من حوله باعتباره كيانًا مستقلًا ج2

الملامح العامة لسبل إحسان الفرد المسلم للوجود من حوله باعتباره كيانًا مستقلًا ج2


03/04/2019 18:19

السوسنة  - استمكالا لحلقات كتاب استاذ الاعلام مين العام للمجمع الدولي لإعادة بناء الفكر الإسلامي، الأستاذ الدكتور محمود السماسيري، نعرض في هذا التقرير الجزء الثاني والاخير من القسم الرابع لكتابه "اخي المسلم هل انت انسان " والذي جاء تحتت عنوان سمات الانسان المسلم بحق، بعد ان نشرنا الجزء الاول والذي جاء بعنوان " الملامح العامة لسبل إحسان الفرد المسلم للوجود من حوله باعتباره كيانًا مستقلًا ج1.

 

وجاء الجزء الثاني تحت عنوان " سبل إحسان الفرد  المسلم للوجود كعضو  في  جماعة أو مؤسسة"
   
عندما يكون المرء منا عضوًا في جماعة أو مؤسسة ما.. متى نستطيع أن نصف سلوكه بالسلوك الإحساني؟
 
الواقع أن وصف هذا السلوك بكونه إحسانيًّا  يتطلب أن يكون سلوكًا أسمى من السلوك الإنساني  العادل؛ الذي يسعى خلاله إلى الحصول على  حقوق تساوي الوجبات التي يضطلع بها؛ سواء في تعامله مع باقي أفراد المؤسسة، أو مع وحداتها، أو مع المؤسسة ككل، أو مع جمهورها، أو مع المؤسسات التي لها  بها صلة.( )   
 
 والواقع أن هذا الإحسان لن يتسنى له ما لم يكن متقنًا للعمل الذي ارتضى أن يضطلع به  في هذه المؤسسة على خير وجه. ولن يتسنى له هذا الاتقان إلا إذا امتلك الصبر الكافي على تحصيل العلوم والمعارف المتطورة  التي تؤهله  لإنجاز أي عمل  يُكلف به على أحسن صورة. 
 
وإذا كانت سلامة نيته في اتقان العمل شرطًا رئيسًا لإحسان القيام به، فإن سلامة نيته هذه لن تجدى شيئًا إذا ما قصر في تحصيل تلكم العلوم والمعارف.
 
بل إن سلامة نيته تلك إذا ما ترتب عليها ما لا يُمكّن المؤسسة التي ينتمي إليها من تحقيق الأهداف التي تصبو إليها ،أو إذا ما ترتب عليها ما يصيبها بخسارة في مكانتها بين منافسيها الخارجيين .. إن سلامة نيته تلك لن تغني هنا عن تحمله المسؤولية في إضعاف هذه المؤسسة أمام الله شيئًا. ذلك لأن مثل هذه الخسارة التي تحيق بمؤسسته لعلة هو المتسبب فيها، لا تغاير في نتائجها الخسارة التي قد يتسبب فيها شخص صاحب فطرة حيوانية يعلي مصلحته عمدًا على مصلحة هذه  المؤسسة. 
 
بل إن اضطلاع المرء منا بفعل ما تبدو نتائجه العاجلة حسنة لمؤسسته أو جماعته، دون وضع آثاره المستقبلية البعيدة على الأفراد أو المؤسسات أو المجتمعات أو الإنسانية في الحسبان.. هو نوع من الخروج عن الإحسان الذي  يجب أن ينبني على قراءة سليمة ومتكاملة لأثر ما هو كائن الآن على ما سيكون غدًا؛ ذلك لأن السعي  إلى تحقيق فعل يبدو  الآن  فعلًا إحسانيًّا، دون إدراك  كاف لمآلات هذا الفعل على الآخرين (أفرد، أو جماعات، أو مؤسسات، أو المجتمع برمته) مستقبلًا، هو نوع من الاستخدام القاصر للعقل، الذي قد يترتب عليه خلل جلي في وقت لاحق. وهذا ليس من الإحسان في شيء.
 
 بل إن عدم امتلاك المسلم لمعايير سليمة يهتدي بها عند تقريره لأولوية القيام بفعل إحساني ما عن فعل إحساني آخر ..على نحو  يجعله يقرر الاضطلاع بفعل يحقق لمؤسسته أو جماعته نفعًا أقل على حساب  فعل آخر  يحمل نفعًا  أكبر ، هو أيضًا من خوارم الفعل الإحساني.) (
 
وبصفة عامة لن يتسنى لأي شخص مسلم- باعتباره عضوًا في مؤسسة أو جماعة- أن يكون محسنًا  إلا  إذا امتلك  رؤية متكاملة تمكنه من تحديد طبيعة الدور الإحساني المطلوب منه الإسهام به في هذه المؤسسة، حتى يمكن أن تصبح مؤسسة إحسانية.
 
وهي رؤية تعتمد على إدراك سليم ومتكامل لما هو كائن من واقع المؤسسة، وما ينبغي أن يكون  عليه هذا الواقع، في ضوء إدراك سليم ومتكامل لطبيعة الدور الذي ينبغي على المؤسسة أن تضطلع به في بناء مجتمع إسلامي قوي قادر على ممارسة الإحسان للوجود.. مجتمع ﴿ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ (آل عمران:  من الآية110) 
 
 
وفي النهاية
 
تلكم هي المعايير الرئيسة التي يمكن أن تهتدي بها أخي المسلم في تقرير من أنت؟ وأين تقف؟ وما مكانتك بين أقرانك من بني جنسك في هذا العالم؟ 
 
هل أنت بالفعل ذلكم المسلم المحسن الذي ينطبق عليك وصف نبيك محمد صلى الله عليه وسلم  بأنك" تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك" فلا تهجع من الليل إلا قليلًا، متوجهًا لربك بالدعاء خوفًا وطمعًا. وتكد نهارًا في دراستك، أو وظيفتك، أو حقلك آو مصنعك أو متجرك؛ فتتعلم وتبدع وتبني وتعمر، ولا تبدع وتنتج فقط ما يكفيك أنت ومن تعول، وإنما تبدع وتنتج ما يجعلك قادرًا على أن تكون عونًا لغيرك من المحتاجين من المسلمين، أو غير المسلمين؟!
 
هل أنت ذلك المحسن الذي يعطي مَن حرمه، ويصل مَن قطعه، ويعفو عمن ظلمه من الناس (وليس المؤمنين فقط)  ورغم أنه قادر على أن يقتص لنفسه منهم، إلا إنه يكظم غيظه.. على نحو يجعله يستحق أن يكون أهلًا لدخول جنة عرضها السموات والأرض؟﴿ وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ 134 ﴾( آل عمران). 
   
 هل أنت ذلك المسلم المحسن الذي يُسهم في بناء خير أمة أخرجت للناس، أمة متفوقة في كل المجالات، على نحو يجعلها سندًا لغيرها من الأمم التي قد تصيبها أي كارثة طبيعية، فتهب لنجدتها، وسندًا للأمم الضعيفة التي قد يصيبها بغي أمة أخرى مفسدة في الأرض، فتهب لتحميها من بطش هذه الأمة المفسدة؟ كما فعل ذو القرنين عندما قطع مسافات شاسعة لينقذ الأمة التي كانت عند مطلع الشمس من الهلاك، لكونهم لم يكن لهم من دون حر هذه الشمس ستر، وعندما سعى  بعدها – امتثالًا لأمر ربه الرحيم- لينقذ الأمة المستضعفة التي كانت بين السدين، وكاد يهلكها بغي يأجوج ومأجوج.دون أن تشير الآيات إلى أنه توجه بالدعوة لا إلى  هؤلاء ولا أولئك إلى الدخول في دينه ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (89) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (90) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (91) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (92) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98) ﴾(الكهف)       
 
 أم أنك ذلكم المسلم الذي لا تعرف من أوامر دينك سوى اجتناب الفواحش والمنكرات، وإقامة الشعائر التعبدية، وإعفاء اللحية، ولبس البياض.. وغير ذلك من مظاهر الإسلام، ولا تكد في هذه الحياة إلا بقدر ما يكفيك أنت ومن تعول، ولا تعطي إلا بقدر ما تأخذ؟!
 
نعم أنت لا تبادر هنا بالاعتداء على غيرك، فلا يصيبهم منك شر، إلا إنهم في الوقت نفسه لا يرون منك خيرًا.. وهنا دعنا نسألك: ما الفارق بينك- وأنت تكتفي بممارسة مبادئ العدالة الإنسانية- فيما تقدمه للوجود، وبين إنسان آخر يلتزم بما تُمليه عليه فطرته الإنسانية السوية من التعامل العادل مع الآخرين، ويؤدي أيضًا الشعائر والطقوس التي يُمليها عليه دينه الذي يعتنقه؟! هل ثمة فارق بينك وبينه في شيء، وأنت لا يمثل وجودك أي إضافة إلى غيرك ؟!
 
 أم أنك ذلكم الشخص الذي يحمل من الإسلام اسمه، ويؤدي بعض طقوسه، إلا أن مبادئ العدالة التي يطلب من الآخرين أن يتحلوا بها عند التعامل معه، لا تجد إلى احتلال قلبه سبيلًا.. والشيء الوحيد الذي يحتل قلبه هو مصالحة فقط، حتى لو كانت على حساب الآخرين، أفرادًا، أو مؤسسات، أو جماعات، أو حتى مجتمع بأسره.. ذلكم الشخص الذي لا يقر معروفًا، إلا إذا كان يحمل له نفعًا ، ولا ينكر منكرًا إلا إذا كان يحيق به ضرًا . ذلكم الشخص الذي يهبط  به سلوكه إلى فطرة لا تنتمي إلى الفطرة الإنسانية السوية من قريب أو بعيد.. إنما تنتمي كلية إلى فطرة أخرى.. هي الفطرة الحيوانية.
 
 أم أنت ذلكم الكائن المشوه- ونعيذك بالله أن تكون كذلك- الذي هبطت فطرته درجات في دركات السفول، وحينها حقيق أن ينطبق عليه وصف ربه﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ (التين:5)؟ ذاك الذي يمارس أفعالًا ضد من حوله( أفراد أو جماعات أو مؤسسات.. إلخ) بدافع الكبرياء الذي يورثه حقدًا وحسدًا.. يدفعانه إلى السعي للكيد والمكر والإضرار بالآخرين، لا لمنفعة تعود عليه، اللهم إلا التشفي منهم، والشماتة فيهم.. أفعالًا لا تسمح بها إلا الفطرة الشيطانية.. نعوذ بالله منها ومن شرورها.
 
وهكذا؛ فإن طرحنا هذا يعلن لكل مسلم أنه إذا ما تخلى عن ممارسة الإحسان إلى الوجود سيتخلى عن وصفه أنه (مسلم بحق)، حتى لو مارس العدالة والتزم بتأدية طقوس الإسلام  وشعائره، وإذا ما تخلى عن عدالته سيتخلى حينها عن وصفه أنه (إنسان بحق) حتى لو أظهر التزاما بطقوس الإسلام وشعائره، ويدخل في نطاق الفطرة الحيوانية. أو ما دونها. 
 
قد يجادل البعض أن معرفة الشخص الذي يقترف السلوكيات التي تبعده عن إنسانيته قبل أن تبعده عن إسلامه، بأن هذه السلوكيات تجعل  فطرته تستحق أن توصف بأنها فطرة حيوانية أو شيطانية، لن تكون رادعًا كافيًّا له عن اقتراف تلك المسالك، طالما كان تلك المسالك  تحقق مصالحه، وتمنحه مقومات الحياة الرغيدة التي يصبو إليها.
 
وهذه حقيقة يصعب إنكارها؛ إلا أن من يتخلى عن فطرته الإنسانية السوية عليه أن يعلم أيضًا أن خروجه عن تلكم المسالك العادلة هو قبول منه بإعلاء مبدأ المصلحة الذاتية على مبدأ العدالة، وهنا عليه أن يتذكر أن سيادة هذا المبدأ في مجتمعه لن تُؤمّن له استمرارية مقومات هذه الحياة الرغيدة.. فمن الطبيعي أنه سيصبح عرضة- في كل لحظة- لأن يسطو على مقومات وجوده الرغيد من هو  أقوى منه وأشد بأسًا، ممن لا يقيمون مثله  للعدالة - في التعامل مع الآخرين- وزنًا و اعتبارًا.  
 
والواقع أن التهديد الذي يخلفه سيادة مبدأ المصلحة الذاتية، الذي هو مبدأ شريعة الغاب، في مجتمع ما، لا يقف عند تخوم فقدان جل أبناء هذا المجتمع لمقومات هذه الحياة الرغيدة، وإنما يمتد- على المدى البعيد- إلى تعرض أبنائهم، وأحفادهم لتهديد وجودهم ذاته، لأنه لن يكتب البقاء والاستمرار طويلًا لمجتمع تُفتقد بين أبنائه العدالة، وتسود – بدلا منها- شريعة الغاب.  
 
وإذا سحبنا هذا القياس على واقع أبناء المجتمع العربي، سنجد أن سيادة العدالة في الحقوق والواجبات، والأخذ والعطاء غائبة لدى كثير منهم.. على نحو لا تخطئه عين، وما يحفظ  جل هذه المجتمعات أن تخر  ساقطة من على صفحة التاريخ، هي منسأة سليمان النبي الماثلة في النفط والديون﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ﴾ (سبأ:14) وحينما تنتهي دابة الأرض- التي هي هنا المسالك التي يسلكها كثير من أبناء هذه المجتمعات، وتتنافي مع الإنسانية العادلة - من أكل هذه المنسأة.. حينها لن يحمي أحد أي مجتمع  من السقوط...ذلكم المصير المحتوم.
 
وهكذا؛ فتخلي المرء منا عن مقتضيات فطرته الإنسانية العادلة هو أمر لا يخرجه من إنسانيته فقط، وإنما أمر يخرج مجتمعه- على المدى البعيد- من عِداد المجتمعات الإنسانية القادرة على الاستمرار  والبقاء على صفحة التاريخ.
 
قد يقول قائل: لكن تظالم البعض وخروجهم عن مقتضيات الإنسانية  كان سائدًا في بلداننا العربية منذ قرون خلت، ولم يواجه الإنسان العربي خطر الانقراض لغياب سيادة العدالة في الحقوق والواجبات أو في الأخذ والعطاء.
 
نقول: نعم لم يحدث ذلك، وما واجهه العرب سلفًا هو زوال الأنظمة غير العادلة والخاملة والخائرة التي كانت تهيمن عليهم؛ عندما تعرضت للغزو العسكري من قبل دول ذات أنظمة اجتماعية قوية ومتماسكة ومتقدمة علميًّا وعسكريًّا، وبقي نسل الإنسان العربي على قيد الحياة؛ بما توافر له من مقومات مادية أولية  محدودة.. إلا أن ثمة معطيات جديدة تجعل القياس على الماضي غير صحيح ..منها على سبيل المثال لا الحصر:
 
 - تزايد عدد السكان على نحو غير مسبوق على رقعة الجغرافية العربية التي كانت المنتجات الزراعية والحيوانية والصناعات الأولية- سلفًا- تكاد تلبي الحاجيات الرئيسة لها. أما الآن فإن قدرة هذه الرقعة على التلبية الذاتية لتلكم الحاجيات باتت أمرًا محل شك.
 
- تزايد متطلبات الإنسان العربي الرئيسة التي أتاحها له التقدم التكنولوجي الذي أبدعه أبناء الشرق والغرب، واعتياده سهولة حيازة  منتجات هذه التكنولوجيا بأموال النفط من ناحية، أو بأموال القروض والمساعدات المشروطة من ناحية أخرى. وهي أمول سيتوقف - في لحظة ليست بعيده- جريانها.
 
- تغافل الإنسان العربي عن إدراك ارتباط بقاء مجتمعه بحتمية العمل والكدح في المدرسة، والمعمل، والمزرعة، والمصنع، بما يمكنه من إنتاج ما يكفيه، ويغنيه عن الاعتماد في الحصول على مقومات بقاءه مما تزرعه وتصنعه سواعد أبناء الشرق والغرب.
 
  - تغافله عن إدراك ارتباط بقائه بحتمية التوقف عن كارثة استنزاف  ثرواته الطبيعية، مقابل سلع كمالية وترفيهية؛ يُنتجها له خصيصًا أبناء الشرق والغرب.
 
-  وحتى لو نجح في التوقف عن استنزاف تلكم الثروات، وأنتج ما يكفيه ويغنيه عما ينتجه الآخرون؛  فإنه لن ينجو من تصارع الدول الكبرى الذي لا يتوقف، على  تمزيقه و نهب ثرواته تلك، إلا إذا امتلك القدرة على بناء القوة الذاتية؛ التي يحمي بها  وحدة بلدانه وأرضه وثرواته من كل طامع.
 
ولا مراء أن غفلتنا -أو  تغافلنا- عن كل هذه الحقائق  يعني حتمًا أنه سوف يأتي يوم لن تستطيع  فيه بلداننا أن تُؤمن لجل أبنائها المقومات الرئيسة للبقاء ككائنات حية؛ من مأكل ومشرب وملبس ومسكن ومركب، وغيرها من مقومات الحياة.. وهي المقومات التي لم يتح لدول الغرب والشرق توفيرها إلا عبر تربية أبنائها على إعلاء مبدأ العدالة في الأخذ والعطاء، والحقوق والواجبات، والموازنة بين الاستهلاك والإنتاج، وعلى العمل والكفاح المتواصل لبناء نهضة علمية وتعليمية وتكنولوجية متعاظمة في شتى مجالات الحياة.
 
وهكذا؛ فوضعية مجتمعنا العربي الراهنة المفجعة تفرض على كل عاقل أن يتساءل.. كيف يمكن أن نتجاوز هذه الوضعية، ونبني مجتمعًا عادلًا قادرًا على أن يُؤمّن -بقدراته الذاتية- مقومات البقاء لأبنائه ككائنات حيه في هذا الوجود؟! 
 
وإذا ما أنجزنا ذلكم الحلم.، يحق لنا حينها أن نرتقي في تطلعاتنا ونتساءل تساؤلًا ثانيًا ألا وهو: كيف لنا أن نسمو بمجتمعاتنا العربية والإسلامية لتصبح مجتمعات محسنة للوجود.. حتى تكون بحق مجتمعات خير أمة أخرجت للناس؟!
 
 والواقع أنه دون السعي الحثيث ،بداية، لتلمس سبل بناء الإنسان المسلم بحق  ..لن يتسنى لنا ، ومهما طال الزمان، أن نحقق من تلكم  الأماني شيئًا؟! 
 
وهنا نستعرض لكم كل فصول واجزاء الكتاب: 
ما السمات التي تمنح انساناً وصفه بالإنسانية ؟ ج1
 
ما السمات التي تمنح سلوك الفرد ككيان مستقل صفة الإنسانية ؟ ج2
 
 
 
سمات الانسان المسلم بحق ج2
 
الملامح العامة لسبل إحسان الفرد المسلم للوجود من حوله باعتباره كيانًا مستقلًا ج1
 
 الملامح العامة لسبل إحسان الفرد المسلم للوجود من حوله باعتباره كيانًا مستقلًا ج2