ماذا عَمِلْت فيما عَلِمْت؟ - هبة حلمي الجابري

 نقضي أوقاتًا كثيرةً في متابعة وسائل التواصُل الاجتماعي، نُطالع منشوراتٍ في مختلف المجالات، وإذا كنَّا ممَّن يهتمُّ بقراءة الكتب ومطالعة الصُّحُف، أو متابعة المنتديات والمدونات، فسنقرأ العديد من المقالات والمواضيع والتدوينات، قد نقرأ معلومةً دينيةً، ونتحقَّق من صحَّتها، أو نقرأ عن الذنوب والمعاصي وأثرها، أو عن بدعة منتشرة بين الناس، ونعرف الدليل، ونتحقَّق من كونها بدعةً، أو قصة فيها موعظة تُحرِّك القلب فتدمَع العينان،

نقرأ عن الجنة ونعيمِها؛ فنتمنَّى أن ندخُلَها، ونقرأ عن النار وعذابها؛ فنخاف وترتجف قلوبُنا، أو نقرأ معلومة تربوية تُبَيِّن لنا خطأ أسلوبنا في التعامُل مع الأبناء، أو... أو... أو... نقرأ كثيرًا ونسمَع أكثر، وقد تُعجِبُنا المعلومة أو ننبهِر بها، ومن شدَّة تأثُّرِنا ننشُرها، ونُخبِر بها كُلَّ من نُحِبُّ؛ لكن ماذا بعد؟! أين الأهمُّ؟ أين التطبيق؟ دمعَتْ عيناي وارتجف قلبي خوفًا من النار، ثم قُمْتُ من مكاني لأُمارس ما اعتَدْتُه من المعاصي! قرأت عن فضل السُّنَن وثوابها، ثم لم يدفعني ذلك للحفاظ عليها! عرَفت أثر الضَّرْب والعصبية في الأولاد،

وما إن انتهيت من القراءة حتى أثاروا غضبي فضربتُهم! أسمَعُ أمرَ الله لي بالصلاة والحِجاب والوعيد على مَن خالف، فلا أُبالي! قرأت عن الذِّكْر وفَضْلِه وجزيل أجْرِه، وظَلَّ لساني ساكنًا، وقلبي غافلًا عن ذكر الله! عرَفت حُكْمًا فقهيًّا أو معنى آية أو حديث، ولم أُطبِّق من ذلك شيئًا! إذًا ماذا استفدت؟ لا شيء !! هل تعلم أن ما عرَفتَه ولم تطبِّقه قد يكون شاهدًا عليكَ يوم القيامة؟! يقول أبو الدرداء رضي الله عنه: "لا أخافُ أنْ يُقالَ لي يوم القِيامةِ: يا أبا الدَّرْداءِ، ما عَمِلْتَ فِيما جَهِلْتَ؟ ولكن أخافُ أنْ يُقالَ لي: يا عُوَيْمِرُ ما عَمِلْتَ فِيما عَلِمْتَ؟ ". لذلك لا بُدَّ أن نُفرِّق بين الثقافة والهدى، بين القراءة والتطبيق، لا بُدَّ من استقامة ومجاهدة، فإذا قرأت المعلومة وكان فيها أمر بالفعل فعلتَه، وإن كان فيها نهيٌ عن مُنكَر تركتَه، وجاهدتَ نفسَكَ على ذلك.

وقد يُعينُكَ أن تُسجِّل ذلك عندك؛ فتكتب ما تعلَّمْته، وتبدأ في تنفيذه فورًا إن كان فَرْضًا، أو تركه إن كان فِعْلًا مُحرَّمًا، وإن كان نَفْلًا عزَمْتَ على فِعْلِه ولو كان بالتدريج. إنَّ ما نقرؤه من العلم نوعان: فهناك من العلم ما لا يَسَع المسلم جهله، فيجب أن يسعى لتعلُّمِه، وإذا تعلَّمَه وجب عليه تطبيقه فورًا، وهناك ما هو فَضْل، إن عملنا به فهو خيرٌ وأجْر وفلاحٌ، وإن تركنا تطبيقَه لم يضُرَّنا. جاء في الموسوعة الفقهية (13/ 5): "تعلُّم العلم تعتريه الأحكام الآتية: قد يكون التعلُّم فَرْضَ عَيْنٍ، وهو تعلُّم ما لا بُدَّ منه للمسلم؛ لإقامة دينه وإخلاص عمله لله تعالى، أو معاشرة عباده، فقد فُرِضَ على كل مُكَلَّفٍ ومُكلَّفة - بعد تعلُّمِه ما تصِحُّ به عقيدتُه من أصول الدين - تعَلُّمُ ما تصِحُّ به العبادات والمعاملات، من الوضوء والغُسْل والصلاة والصوم، وأحكام الزكاة، والحج لمن وجب عليه، وإخلاص النية في العبادات لله. ويجب تعلُّم أحكام البيوع على التجار؛ ليَحترزوا عن الشُّبهات والمكروهات في سائر المعاملات، وكذا أهل الحِرَف، وكل مَن اشتغل بشيء يُفرَض عليه تعلُّم حُكْمِه؛ ليمتنع عن الحرام فيه، وقد يكون التعلُّمُ فَرْضَ كفايةٍ، وهو تعلُّم كُلِّ عِلْمٍ لا يُستغنى عنه في قيام أمور الدنيا؛ كالطب والحساب والنحو واللغة، والكلام والقراءات وأسانيد الحديث، ونحو ذلك ... " انتهى.

  انْفَعْ غيرَكَ بما تعلَّمتَه وانشُرْه؛ يقول صلى الله عليه وسلم: «نضَّر اللهُ امرءًا سمِعَ مِنَّا شيئًا فبَلَّغه كما سمِعَهُ، فرُبَّ مبلَّغٍ أوعَى لهُ من سامِعٍ» ، وهذا مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «رُبَّ حاملِ فِقْهٍ ليس بفَقِيهٍ، ورُبَّ حامِلِ فِقْهٍ إلى مَنْ هو أفْقَهُ منه»، والحديثان يدُلَّان على أهمية تبليغ الدِّين نزولًا عند قوله صلى الله عليه وسلم: ((بلِّغُوا عنِّي ولو آية))، ولا يصدُّ المبلِّغَ في تبليغه جهلُه بالمبلَّغ به.... وهنا يُطرَح سؤال: هل عدم الفعل والتطبيق يلزم منه ترْكُ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ هذه المسألة ناقَشَها ابنُ كثيرٍ في تفسيره عند الحديث عن هذه الآية: ﴿ {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} ﴾[البقرة: 44]، وملخَّص ما قاله أن في المسألة قولَينِ للعلماء: القول الأول: أنَّه لا يجوز له الدعوة إلى الله في هذه الحالة، واحتجُّوا بهذه الآية وغيرها من الآيات. القول الثاني: أنه لا يلزم من ذلك تَرْك الدعوة إلى الله تعالى.

قال ابنُ كثير رحمه الله: والصحيح أن العالم يأمر بالمعروف وإنْ لم يفعله. واستدل لهذا القول بعدة أدلة؛ منها: • قول سعيد بن جبير رحمه الله: لو كان المرء لا يأمُر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء، ما أمَرَ أحدٌ بمعروف، ولا نهى عن مُنْكَر. قال مالك رحمه الله: وصدق، من ذا الذي ليس فيه شيءٌ؟! •

إن كلًّا من الأمر بالمعروف وفعله واجبٌ، لا يسقُط أحدُهما بترْكِ الآخر، أما استدلال الفريق الأوَّل بالآية، فردَّه ابنُ كثير رحمه الله بقوله: ليس المراد ذَمَّهم على أمرهم بالبِرِّ مع تركهم له؛ بل على تركهم له، فإن الأمر بالمعروف معروفٌ، وهو واجبٌ على العالم، ولكن الواجب والأولى بالعالم أن يفعله مع مَنْ أمرهم به، ولا يتخلَّف عنهم. ولكن قبل أن تُسارِع بالتطبيق أو النشر، لا بُدَّ أن تتحقَّق من صحَّة ما تقرأ، فوسائل التواصُل مليئة بالغَثِّ بجانب ما فيها مِن سمينٍ، وفيها الكثير من البِدَع والأحاديث الموضوعة والضعيفة - إما لجهل من ينشُرها، أو ينشُرها أعداءُ الدين عن عَمْدٍ؛ ليشوِّهوا معالم الدين - فتحقَّق مما يُنشَر؛ إما بالثقة في مصدره من أهل العلم، أو سؤال من لديه خبرة، أو بالاستعانة بمواقعَ للتحقُّق من صحة الأحاديث، أو بالبحث عن صحة المعلومة في محركات البحث، فإذا تحقَّقْت من صحَّتِها، فاستعِنْ بالله، وطبِّقْ ما فيها، وانشُره لعَلَّ الله ينفَع بها غيرَكَ، وتنال الأجر والثواب؛ فالدَّالُّ على الخير كفاعله. اللهم علِّمْنا ما ينفعُنا، وانْفَعنا بما علَّمْتَنا. 

 
 


آخر إضافات الموقع

الأكثر مشاهدة