كيف اجتذب الارهاب 3 الاف مقاتل تونسي؟

  أعدّ معهد الدراسات الاستراتيجيّة دراسة حول الإرهابيين التونسيين العائدين من بؤر التوتّر، وقدّمت الدراسة الأسباب التاريخيّة التي ساهمت في تكوين الفكر الارهابي لدى التونسيين الذين اختاروا القتال، ونظرتهم للدولة وللمرأة وللثورة.

 

وفي ما يلي ملخص للدراسة وفق ما نشرته وسائل اعلام تونسية مختلفة:

 

من الصَعب دراسة وتحليل ظاهرة “المقاتلين الأجانب” استنادا إلى الواقع التونسي دون التساؤل عن العوامل التي دفعت بحوالي ثلاثة آلاف من التونسيين إلى أحضان الجماعات الارهابية في بؤر النزاع في الفترة المتراوحة بين سنتي2011 و2014. كما لا يمكننا التطرق إلى هجرة هذا العدد الكبير من الشباب دون محاولة فهم الواقع التونسي والبيئة المشتركة التي ترعرعت فيها هذه الفئة المتطرفة.

 

إن محاولة الفهم والتحليل، دون الدخول في مقاربة تاريخية، تعود بنا إلى أواخر التسعينات من القرن الماضي وبداية العشرية الأولى من القرن الحادي والعشرين حيث كانت تونس في تلك الفترة من حكم الرئيس الأسبق “زين العابدين بن علي” تحت نظام بوليسي يقمع جل التيارات السياسية والفكرية ما خلق مناخا من التضييق في مجال الممارسة السياسية والدينية والإعلامية. هذا الفراغ سرعان ما مكَن الفضائِيات الإخبارية والقنوات ذات المرجعية الدينية المُغالية التي نشأت بالعشرات من أن تصبح المرجع والسند، وتعوض لعدد كبير من متابعيها، ولو بطريقة لا ارادية، مجال الاهتمام المُغيب والمفقود حتى غَدت مشاهدتها من العادات اليومية للتونسيين، أصبح  فهم الفعل السياسي لمن كانوا في تلك الفترة من الناشئة وتوجهوا بعد عقد من الزمن إلى التطرف، منحصرا في الحروب والخيبات العربية المتراوحة بين أحداث الحادي عشر من سبتمبر-ايلول 2001 والانتفاضة الفلسطينية 2002 واجتياح العراق 2003 وحرب “حزب الله” ضد الكيان الصهيوني 2006 والعدوان على غزة 2008.

 

جيل من الشباب نشأ يحمل داخله إحساسا بالقهر والضيم ينتظر بطولات عربية ولو زائفة، تخيًل بعضها لدى المئات من الذين التحقوا بالقتال في أرض العراق بعد سنة 2003، رغم يقظة النظام الحاكم، كما سمع عن بعض البطولات ولو زائفة لمن سبقوهم من أولئك الذين التحقوا بالقتال بأفغانستان ولبنان في التسعينات.

 

هذا الجيل الذي يحمل إذا، ولو عن غير وعي، فهم خاطئ ومغلوطا للفعلِ السياسي وتفاسير موجهة عبر الفضائيات للفعل الديني وجد نفسه يترعرع في بلد اختلَّ فيه وتعطل مصعد الرقي الاجتماعي وعجز فيه النظام عن منح آفاق مستقبلية لشباب بات لا يثق ولا يؤمن بالوصول الى مراتب أفضل عبر النظام التربوي والتعليمي حيث أن هذا العقد من الزمن يُمكن اعتباره عقد الازمة الاجتماعية بامتياز خصوصا مع ارتفاع معدلات البطالة لا سيما لدى خرّيجي الجامعات.

 

إن ردَّ النظام آنذاك على هذه الأزمة المتفاقمة كان ردّا قمعيا بالأساس خصوصا في ظلَ تنامي التيار السلفي منذ بداية سنوات الألفين تحت مُسمى السلفية التعليمية أو السلفية العلمية وجزء من جماعة الدعوة والتبليغ. فكان هذا الرَد الأمني بمقتضى قانون مكافحة الإرهاب لسنة 2003 يتزايد حدة خصوصا بعد تفجير “الغريبة” بجربة سنة 2002 وأحداث “سليمان” سنة 2006 حيث زج النظام بأكثر من 2000 شخص من التيار السلفي في السجون باختلاف أعمارهم، ومدى تبنيهم للفكر التكفيري، مما جعل من السجون تتحول الى نقطة تلاقي بين أجيال مختلفة من المنتمين الى التيار السلفي، ما كانوا ليلتقون ويتصلون خارجه.

 

ثم تأججت الأزمة الاجتماعية بتونس واندلعت أحداث الثورة التي قلبت نظام الحكم في 2011 ومكنت من كانوا بالسجون من عفو تشريعي عام، يجُبُّ ما قبله، وأعطت التيار السلفي كبقية المكونات الاجتماعية والسياسية الحق في التَنظُم وتكوين الجمعيات وجمع المال ونصب الخيام الدعوية وبث الفكر المتطرف وحتى حفظ النظام في بعض المناطق خصوصا في ظل هشاشة أجهزة الدولة في تلك الفترة.

 

في ظل هذا الوضع، تمكَنت تلك النواة التي تكونت بالسجون، خصوصا في ظل المخاض الثوري والوضع الاجتماعي الذي تعيشه تونس، من العمل على استقطاب ذلك الشباب الذي ينتمي الى جيل المستقبل الضبابي” والذي نشأ يحمل داخله إحساسا بالقهر والضيم والذي ينتظر بطولات عربية ولو زائفة والذي يشترك مع التيار السلفي المتطرف في عدائه للدولة وأجهزتها.

 

تحديد مخاطر المقاتلين التونسيين الأجانب

 

كل هذه العوامل وتزامُنها مع وضع جيوسياسي متفجر في المنطقة تميز بظهُور بؤر نزاع وقتال جديدة في سوريا وليبيا واليمن إضافةً الى انعدام مراقبة الدولة لخطوط التمويل الداخلية والخارجية في تلك الفترة والقدرة الكبيرة لهذا التيار على تجييش عدد كبير من الشباب خصوصا عبر السيطرة على المساجد وإقامة الاجتماعات والقوافل الخيرية والدورات الدعوية وعبر وسائل الاتصال الحديثة وسَع من رقعة استقطاب الشباب التونسي ويسّر من عمل الجماعات المتطرفة التي تطورت من حيث الهيكلة وأسلوب العمل والتجنيد.

 

هذه الجماعات الارهابية العالمية التي أصبحت تحتكم على امكانيات مادية وعسكرية كبيرة ودعم واسع النطاق  من دول وأطراف تخوض هي مكانها حربا بالوكالة باتت عبر أذرعها الاعلامية و شبكاتها تصل بطريقة مباشرة الى جميع انحاء العالم وخاصة الى شباب تونسي رفعت عنه الرقابة  والحجبُ بعد 2011 وأغراهُ ما كان بالأمس محظورا وغير مباح وصار بعد ثورة سميت باسمه “ثورة الشباب” أمرا علنيا يتفق الى حد ما مع ما أعلنته حكومته من قطع للعلاقات مع نظام بشار الأسد في 2012 و انعقاد مؤتمر “أصدقاء سوريا” و استضافة الرئيس التونسي المؤقت المنصف المرزوقي لعدد من المشايخ والدعاة الذين أعلنوا من مصر في مؤتمر “موقف علماء الأمة من القضية السورية”، إلى وجوب الجهاد لنصرة سوريا بالنفس والمال والسلاح.

كل هذه العوامل تضع الإطار الذي مكننا من تحديد المنظور الذي سندرس من خلاله المسارات الحياتية لعدد من المقاتلين التونسيين الأجانب.

قام فريق عمل المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية ببحث ميداني قابل خلاله 82 سجينا إرهابيا و16 محادثة جماعية مع عدد من المساجين يتراوح بين الخمسة والستة أفراد لكل محادثة تميزهم خاصيات مختلفة.

 

أهم خاصيات المقاتل التونسي

 

فيما يتعلق بالسن تمثل الشريحة بين 25 و29 سنة (44.8 بالمائة) اعلى فئة انخرطت في القتال في الخارج أو حاولت ذلك. هذه الفترة العمرية تمثل سن الانتهاء من التعليم الجامعي بالنسبة للمتعلمين والبحث عن عمل بالنسبة لجل الشباب أي الانخراط في الواقع والخروج من الرفاهة العائلية الى تحديات الواقع.

كما أن بالمائة ليسوا متزوجين ذلك أن الالتحاق ببؤر النزاع يكون سهلا بالنسبة للمقاتل الأعزب من جهة انتفاء مسؤوليته العائلية فضلا على ان التنظيمات الإرهابية زينت لهم إمكانية الحصول على زوجة بطريقة سهلة دون تعقيد إجرائي ودون التقيد بالشروط التي تفرضها القوانين والتقاليد الجاري بها العمل بتونس.

كذلك فإن87.9 بالمائة من الإرهابيين المستجوبين من أنصاف المتعلمين حيث أنهم لم يصلوا الى مستوى التعليم الجامعي وانقطعوا عن مزاولة التعليم في سن مبكر، ذلك أن 43.1 بالمائة انقطعوا في مستوى التعليم الثانوي و24.1 بالمائة في مستوى التعليم الابتدائي. فيما يتعلق بأسباب مغادرة مقاعد الدراسة المتأمل مما له أصل ثابت في الاحصائيات ان 42 بالمائة من المستجوبين غادروا مقاعد الدراسة بسبب الفشل ويرى 12.6 بالمئة من المستجوبين ان سبب المغادرة يعود الى اعتقادهم بعدم جدوى الدراسة فيما ارجع 14 بالمئة من حالات مغادرة الدراسة الى عجز العائلة على توفير مستلزمات الدراسة. وفي نفس الإطار تبين من الاحصائيات ان 79.3 بالمائة من المستجوبين رسبوا بالامتحانات وأعزوا ذلك الى ضعف النتائج الدراسية بنسبة 43.8 بالمئة الى جانب أسباب أخرى كنقص التأطير والمتابعة بنسبة 12.5 بالمائة والغيابات المتكررة التي ساهمت في الرسوب بنسبة 10.4 بالمائة. في خصوص رد فعل العائلة فإن 39.6 بالمائة تلقي باللائمة على المستجوب 20.8 بالمئة من العائلات تبدي عدم مبالاة مقابل 12.5 بالمائة تمارس عنفا لفظيا وماديا على التلميذ. ثبت من الاحصائيات المقدمة ان نسبة 43.1 من المستجوبين تحصّلوا على تكوين مهني مقابل 44.8 ليس لديهم تكوين مماثل أما في خصوص الاختصاصات فهي مختلفة تراوحت بين النجارة والميكانيك وتغليف الصالونات والكهرباء واصلاح أجهزة التدفئة والتبريد وغيرها. كذلك فان 80 بالمائة من شهائد التكوين المهني مسلمة من مؤسسات عمومية مقابل 20 بالمائة مسلمة لبعض المستجوبين من مؤسسات خاصة.

 

كذلك فإن 87.9 بالمائة من المستجوبين أكدوا انهم يمتهنون العمل اليومي و6.9 بالمائة منهم عاطلون عن العمل مع 3.4 بالمائة منهم طلبة و1.7 بالمائة تلاميذ. في خصوص الدخل شهري 79.3بالمائة أكدوا حصولهم على دخل فردي حيث أن 36.2 منهم يتجاوز دخله الشهري ال 700 دينار. غير أنهم يعملون بالاقتصاد الموازي ويعانون من عدم الأمان حيث أن 8 بالمائة من المستجوبين اكدوا مرورهم بفترات بطالة متكررة.

في خصوص استهلاك المواد المخدرة والمواد الشبيهة في فترة ما قبل التطرف فإن 63.8 بالمائة أكدوا استهلاكهم لها مقابل 34.5 نفوا ذلك. والملاحظ أن 47.4 من المستجوبين أكدوا استهلاكهم للمخدرات. أما في خصوص السن التي تم استهلاك المخدر فيها 31.6 بالمائة أكدوا ان ذلك تم في السن من 14 الى 16 سنة و28.9 بالمائة في سن ما بين 17و18 سنة و7.9 بين 8 و13 عاما.

 

النظرة إلى الوطن

 

إضافة الى المعطيات الإحصائية فإن فريق العمل تمكن من خلال المحادثات من استنتاج انعدام الإحساس بالمواطنة والوطنية وثقافة الهوية فالعلاقة بتونس مبنية على المعيش ومسارات الحياة الفردية والتي يشترك أفراد المجموعة المدروسة في العديد من خِصالها.هذه النظرة الدونية والسلبية للوطن، بما تحمله في طياتها من معاني، ترتكز أساسا على إحساس بالخيبة والضيم وغياب الفرص وغياب العدالة،فالعلاقة بالوطن هي إذا “علاقة زبونية”.

النظرة السلبية للوطن والعلاقة الصِدامية التي يعبرون عنها تتركب من رؤيةإيجابيةلكل ما هو قريب مثل العائلة كسند يحتضنهم مهما كانت وضعيتهم أو المجتمع القريب المتمثل في الحي والأصدقاء وتقدير سلبي لعلاقة تمتاز بالتوتر والتشنج مع بقية مكونات المجتمع وتمتاز بالصدامية مع الدولة وأجهزتها.

 

العلاقة مع العائلة

 

عبًر المشاركون في المحادثات الجماعية عن رابط وطيد وقوي يصلهم بالأسرة مفسرين ذلك بالمساندة والدعم الذي توفره هذه الأخيرة لهم في وضعيتهم السجنية (جميعهم يتلقى زيارة بطريقة منتظمة) رغم رفض الرأي العام لهم. إذا فإن العائلة تصبح الملاذ الأخير والأمل القائم فيما يعتبرونه أزمة السجن.

أننا نلاحظ أن مسارات الحياة فيما قبل التطرف لا تتميز بتوافق كبير مع العائلة وأن تحسُن هذه العلاقة في الفترة السجنية دليل هام على الخطر الاجتماعي المُحتمل وعلى الدور الكبير الذي يمكن أن تلعبه العائلة في الإحاطة بالشباب والتوقي من التطرف العنيف.

 

العلاقة مع المجتمع

 

ينقسم المجتمع في نظر المشاركين في المحادثات الجماعية الى جزئيين هما المجتمع القريب والمجتمع البعيد. أمّا المجتمع القريب والمتمثل في العائلة الموسعة والأصدقاءوالحي فهو لا يمثل مصدر تخوف بل انهم لا يحملون أدنى خوف من أن ترفضهم هذه الفئة من المجتمع. وأمّا المجتمع البعيد فهو مصدر تخوف خصوصا من حيث تصنيفهم كإرهابيين وإقصائهم من إمكانية التشغيل وعدم قبولهم في الممارسات الحياتية العادية كالزواج وغيره.

إلا أننا نلاحظ أن أغلبهم يقوم بحصر المجتمع ككل في مجتمعاتهم القريبة الضيقة.  يقومون إذا بعمليةُ اقصاء لجزء من المجتمع تجعل من نظرتهم للآخر تنحصر في مدى الرابط الذي يجمعهم به.

رفضهم لوجود من يخالفهم أو يُظهر مخالفته لهم ولمعتقداتهم بتصنيفهم كإرهابيين مرتبط في أغلب الظن بالفكر الذي يحملونه بعد تطرفهم وبالجدلية التي ينبني عليها من “حلال وحرام” و “كافر ومسلم و”نحن والآخرون”.

 

العلاقة مع الدولة

 

العلاقة الصدامية التي تربطهم بالدولة وأجهزتها وكل ما يرمز إليها هي من الركائز الأساسية لانخراطهم في الفكر المتطرف وانتمائهم الى جماعات متطرفة وعنيفة.

يصرح المشاركون في الدراسة من “مقاتلين تونسيين أجانب” ومن ضالعين في قضايا إرهابية على التراب التونسي أن علاقتهم بالدولة وأجهزتها إمّا كانت منعدمة أو متوترة قبل انخراطهم في التطرف.

 

ويفسرون هذا التوتر في العلاقة مع الدولة وهذه النظرة العدائية لها كردة فعل “مشروعة” على سياسات الدولة. حيثُ أن أغلبهم يتهم النظام بالتضييق على ما يعتبرونه حريات دينية”،وممارسة الدعوة ودراسة العلوم الشرعية والفقهية في فترة ما قبل 2011 وما بعد 2013. كما يلخصُون فترة ما بين 2011و2013 على انها الفترة الأكثر إيجابية من حيث حريتهم الدينية حيث غابت الدولة تماما عن هذا المجال وذلك يعود لضعف أجهزتها فيما بعد الثورة.

يرمي المشاركون في المحادثات، بطريقة غير مباشرة، المسؤولية على عاتق الدولة التي حسب رؤيتهم لم تتعامل مع المجال الديني والذي يعتبرونه شديد الأهمية إلا بالتشديد والتَضييق أو غياب التأطير واضعين أنفسهم في موضع الضحية في جميع الأحوال.

كما يفسرُ المشاركوُن هذا التوتر في العلاقة مع الدولة وهذه النظرة العدائية إلى تهميشهم من قبل السلطة وإقصائهم وحرمانهم من الفرص. يقوم أغلب المشاركين بإرجاء وضعياتهم الاجتماعية والاقتصادية لا لخلل في مؤهلاتهم وكفاءاتهم حيث أن أغلبهم انقطع مبكرا عن الدراسة، وإنما لعجز الدولة عن خلق الفرص وعدم تمكنها من إدماجهم في الدورة الاقتصادية والحياة الاجتماعية ويذهبون أحيانا حتى لاتهام الدولة بإقصائهم عمدا.

وبالتالي فإن العلاقة مع الدولة مبنية على رؤية تجمع بين ما يعبرون عنه إمًا بقمع الدولة أو بإهمالها لهم.

هذاالشعور بانعدام الأمن الاجتماعي وغياب العدل واحتجاب المُستقبل وزوال الإحساس بالراحة النفسية واختلال جميع مقومات التوازن النفسي والمجتمعي تخلق إحساسًا باضمحلالٍ وفراغٍ في الانتماء. هذا الفراغ تمكن الفكر المتطرف والمجموعات المتبنية له من ملْأه بأمل كاذب لحياة أفضل في هذا العالم وفي عالم ما بعد الموت.

يمكن أن نعتبر إذا أن التوق الى ظروف حياة أفضل هو أحد العوامل المهمة حيث عبًر العديد من المشاركين عن تفكيرهم في الهجرة الى بلد غربي “غير مسلم” بحثا عن “الكرامة ومستقبل أكثر وضوحا”. كما صرّح عددًا من المشاركين عن رغبةٍ أو محاولةٍ للهجرة، في فترة ما قبل التحاقهم بالفكر والجماعات المتطرفة، إلى بلد غربي يتمتعون فيه بنصيب أوفر من الحرية وبمستقبل أكثر وضوحا.

يتضح لنا إذا هذا الإحساس بالاغتراب الاجتماعي والمجتمعي الذي يمثل أحد أهم محركات رحلة البحث عن انتماء بديل يوفر التوازن وبحث عن حلم التمكين.

 

النظرة إلى المستقبل

 

تتراوح النظرة إلى المستقبل بين رغبة في الاستقرار عند البعض وتخوف من الإقصاء والمعاملة الاجتماعية والأمنية (خاصة المراقبة الإدارية) عند الأغلبية.

نلاحظ أنهم لا يعتبرون أن المجتمع سيرفضهم بطريقة مباشرة وإنما تحت تأثير أجهزة الدولة وخاصة تحت تأثير التضييق الأمني المحتمل خصوصا أن أغلبهم سيبقى تحت المراقبة الأمنية بعد الخروج من السجن.

 

الإسلام والعنف

 

عند طرح موضوع العنف والإسلام والعنف والدين فإن جل المشاركين، بما في ذلك “التونسيون العائدون من بؤر التوتر”، يتفقون على أن الإسلام دين تسامح وسلام وليس دين حرب وقتال ويفسرون العنف الناتج عن الجماعات الإرهابية المسلحة “كالقاعدة” و”داعش” كرد فعل مشروع وإجباري لكف الأذى ولدفع العدوان عن الأخوة في الإسلام.

نجد هذه الحجج التي تُبرر العنف بصفة أكثر تطورا ودقة لدى “المقاتلين التونسيين الأجانب” الذين يعتبرون الهجمات الإرهابية ردة فعل وجب القيام بها لدفع الأذى مبررين الهجوم على المدنيين بدفع هؤلاء للضرائب لتمويل حكومات انتخبوها لمحاربة الإسلام والمسلمين.

 

النظرة إلى المرأة

 

لا تختلف نظرة المقاتلين الأجانب وبقية المصنفين كإرهابيين الى المرأة عن النظرة المحافظة المتشددة عموما والمنتشرة في العديد من أقطار العالم العربي الإسلامي غير أنها تختلف عن النظرة العامة والمتعارف عليها في تونس. فالأغلبية الساحقة للمشاركين يعتبرون مكان المرأة في البيت لإنجاب وتربية الأطفال ويحبذون امرأة تلبس النقاب واللباس الشرعي. عديد منهم يعتبر المرأة مصنع للرجال أي أن دورها في إنجاب الجيل القادم من “المجاهدين”. قليلون هم من يتحدثون عن سماحهم للمرأة بالعمل وبشروط كالعمل في البيت أو في مكان لا تختلط فيه بالرجال. تذهبُ الفئة الأكثر تشددا في حججها الى ربط المشاكل الاقتصادية بعمل المرأة حيث يعتبرون أن خروج المرأة للعمل يقللُ من الفرص الاقتصادية للرجل ذلك أنّ القوامة للرجال. كذلك فإن جلّ المشاركين يؤيدون تأييدا تاما تعدد الزوجات.

هذه النظرة الدونية للمرأة ودورها في المجتمع وفي النواة الأولى للمجتمع وهي الأسرة يمثل خطورة على التركيبة المجتمعية والتماسك الاجتماعي.

 

النظرة إلى الثورة

 

حاولنا معرفة نظرة العينة المشاركة في الدراسة لنقطة التحول الجوهرية في التاريخ السياسي لتونس لتقييم مدى تأثير هذا الحدث على فئة تحمل مشروعا سياسيا متطرفا، فاكتشفنا أنّ الثورة والفترة الأولى التي لحقتها كانتا مصدر أمل كبير في وضع اقتصادي واجتماعي أفضل وفي حريات غير مقيدة خاصة في المجال الديني.

كانت التطلعات في هذه الفترة المتراوحة بين 2011 وبدايات 2013 كبيرة خاصة في مجال ممارسة الدعوة للفكر السلفي المتطرف وتنظُّم المنتمين لهذا التيار المتطرف والتحرك الغير مقيد لأفراده كفاعلين اجتماعيين يهدفون إلى تغيير وجه المجتمع أو جزء منه. فكانت النظرة إلى الحدث الثوري إيجابية حيث كانت النتائج الأولى للثورة تعطي مساحة للتحرك وتطبيق الأفكار السياسية الممزوجة بالديني والدعوي لحاملي الفكر السلفي المتشدد لبسط نوع من السيطرة على المجتمع واستقطاب أعداد كبيرة من الشباب الثائر والحالم بالحرية وتغيير الواقع. فتميزت هذه الفترة بانضمام عدد كبير من الشباب، المحكوم حاليا في قضايا الإرهاب والعائد من بؤر التوتر، إلى هذه التيارات واكتشافه فكرا سياسيا متطرفا في ظل مناخ ضعفت وغابت فيه الدولة. يقيّمُ المتطرفون هذه الفترة “كالعصر الذهبي” للحرية.

 

أمّا ما بعد 2013 فأعتبرها المتطرفون فترة ضُربت فيها حرياتهم وحقوقهم في التنظم والدعوة وخاصة بعد منع تنظيم “أنصار الشريعة” وأوضحوا أن هذا التضييق جعل العديد من “الأخوة” في تلك الفترة تلجأ إلى “النفير” إلى ليبيا وسوريا. كما اعتبر عدد كبير من المشاركين أن هذه الفترة انقلاب على الحريات (المقصود حرياتهم كتيار متطرف) وعودة إلى الظلم.

يمكننا أن نستخلص من المحادثات أن جلّ المتطرفين ينظرُون الى محيطهم والى العالم الخارجي من زاوية المؤامرة حيث يقبعون في موقع الضحية التي تُعايش ظروفا اقتصادية وسياسية واجتماعية خارجة عن إرادتها وسيطرتها فيصبحُ كل ما هو مختلف ومغاير جزءا من هذه المؤامرة ويتحول إدراكُ هذا المحيط إلى ثنائية “نحن والآخرون” فتصير الجماعة وما تمثلهُ أكثر أهمية، من حيث الانتماء، من الفرد والعائلة والمجتمع والوطن فينصهر هذا الفرد لصالح الجماعة وفكر الجماعة. ومنه يمكننا أن نفسر مدى تقارب الأجوبة بين جميع حاملي الفكر المتطرف من “مقاتلين تونسيين أجانب” وآخرين رغم خصوصية الفئة الأولى من حيث تحمُلها، ولو جزئيا، لمسؤولية أفعالها.

 

مخاطر عودة المقاتلين

 

لا يقتصر تحديد مخاطر عودة المقاتلين التونسيين من بؤر الاقتتال على الجانب الأمني فقط. ذلك أن خطر التخطيط والقيام بعمل إرهابي على الأراضي التونسية او التخطيط لعمل إرهابي خارج تونس وانطلاقا منها هو رهين العمل الاستخباراتي واليقظة الأمنية، التي تطوّرت بصفة إيجابية.

غير أن أهم المخاطر هو مؤسسةُ الفكر المتطرف وتجذره في المجتمع التونسي ممّا يمثل تهديدا للهوية التونسية وللنمط المجتمعي التونسي وللنظام السياسي ولوحدة تونس كما يمثل خطرا على الأجيال القادمة من حيث تأثرها بهذا الفكر الذي يمكن أن ينتهي بها في محرقة أخرى.

غير أن المقاربة الحالية لهذا الاشكال والمعتمدة أساسا على “القوة الخشنة” وعلى الحل الأمني المنحصر على العقوبة السجنية والمراقبة الإدارية دون التدقيق في التصنيف تُخفض من سقف المخاطر الآنية دون تقديم أي حل متوسط وطويل المدى لمشكلة يجب أن تحل عبر التغيير في العديد من السياسات العمومية، خاصة الموجهة للناشئة والشباب وأهمها السياسات التعليمية والدينية والمواطنية.

 

أهم التوصيات

 

وجب بناء خطة عمل وطنية للتعامل مع الفئة الإرهابية بمراوحة بين القوة الخشنة والقوة الناعمة للمحافظة على الرابط بينهم وبين المجتمع وخاصة بالنسبة للفئة الأقل خطورة.

كما وجب العمل على بناء برامج تأهيل للأصناف القليلة والمتوسطة الخطورة في الإطار السجني لتوقي انتشار التطرف وإخراج هؤلاء الافراد من حالة العزلة ورفض المجتمع قبل انتهاء العقوبة السجنية.

كذلك وجب بناء خطة عمل مع أسر وعائلات الإرهابيين التونسيين باعتبارهم البيئة الحاضنة لهذه الفئة بعد الخروج من السجن والأكثر تأثيرا على صيرورتهم.

وجوب ادخال معالجة التوقي من الفكر المتطرف في جميع السياسات العمومية وخاصة الموجهة للشباب بما في ذلك السياسات وخاصة السياسات التعليمية والدينية والاقتصادية وكذلك السياسات الموجهة للعائلة لبناء قدرات المجتمع على التعامل مع الفكر المتطرف.

أصبح الشباب التونسي يتغنى بعبارة “تقرأ أو ما تقراش المستقبل ما فماش” التي تعني أنه درست أو لم تدرس لا مستقبل لك في تونس.

متوسط معدل البطالة بين 2005 و2017 يعادل 15.50% حسب المعهد الوطني للإحصاء.

 

في أعقاب الثورة التونسية، أطلق سراح العديد من السجناء السياسيين الإسلاميين الذي كانوا مسجونين من قبل نظام الرئيس السابق “زين العابدين بن علي” بما في ذلك “أبو عياض التونسي” الذي سبق وشارك في تأسيس الجماعة المقاتلة التونسية مع “طارق معروفي” في جوان 2000. قام “أبو عياض” بتأسيس جماعة أنصار الشريعة في 28 أفريل 2011.

عقدت جماعة أنصارالشريعةمؤتمرفيالقيروانفي 2012 والذيدعافيه “أبوعياض” ما أسماه (أسلمة) الإعلامالتونسيوالتعليموالسياحةوالقطاعاتالتجارية،وإنشاءالنقاباتالإسلامية والذي حضره الالاف.

 

تتكون مجموعات المحادثات الجماعية من مساجين محكومين في قضايا إرهاب بعضهم عائد من بؤر القتال وبعضهم منع من الالتحاق وبعضهم مورط في قضايا في تونس كالانتماء الى خلية او الدعم أو الإشادة والدعوة للفكر عنيف.



آخر إضافات الموقع

الأكثر مشاهدة