التقرب إلى الله بالنية عند تعذر العمل ..د.محمد أحمين

 من تعذر عليه التقرب إلى الله بأنواع القربات الصغيرة أو الكبيرة، فله في شرعنا الحنيف، أن يتقرب بالنية فقط، وله أصل أجر نية العامل المستطيع بإذن الله أكرم الأكرمين.

 
 
ومن الأدلة المصرحة بذلك حديث أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ثلاثة أقسم عليهم وأحدثكم حديثاً فاحفظوه: ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة صبر عليها إلا زاده الله عزاً، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر، أو كلمة نحوها، وأحدثكم حديثاً فاحفظوه، قال: إنما الدنيا لأربعة نفر:
1)    عبد رزقه الله مالاً وعلماً، فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقاً فهذا بأفضل المنازل.
 
 
2)    وعبد رزقه الله علماً، ولم يرزقه مالاً فهو صادق النية يقول: لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان، فهو بنيته، فأجرهما سواء.
 
 
3)    وعبد رزقه الله مالاً، ولم يرزقه علماً، فهو يخبط في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقاً، فهذا بأخبث المنازل.
 
 
4)    وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علماً، فهو يقول: لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته، فوزرهما سواء" (رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح)(1).
 
 
فأفضل الناس منزلة هو العالم الغني، ويلحق به بالنية العالم الفقير، وأسوأ الناس منزلة هو الغني الجاهل، ويلحق به بالنية الفقير الجاهل.
 
 
والحديث السابق فيه "التصريح بأن المنفق والمتمني إذا كان صادق النية في الأجر سواء"(2).
 
 
ولكن المتقرب بالنية فقط يستوي مع من نوى وتقرب فعلاً بالمال أو غيره في أصل الأجر لا في مضاعفته.
 
 
قال ابن رجب: "وقد حمل قوله: "فهما في الأجر سواء" على استوائهما في أصل أجر العمل، دون مضاعفته، فالمضاعفة يختص بها من عمل العمل دون من نواه، فلم يعمله، فإنهما لو استويا من كل وجه، لكتب لمن هم بحسنة ولم يعملها عشر حسنات، وهو خلاف النصوص كلها، ويدل على ذلك قوله تعالى: {فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ} [النساء:95-96].
 
 
قال ابن عباس وغيره: القاعدون المفضل عليهم المجاهدون درجة، القاعدون من أهل الأعذار، والقاعدون المفضل عليهم المجاهدون درجات هم القاعدون من غير أهل الأعذار"(3).
 
 
وقال ابن القيم: "وإن كان أجرهما سواء، فذلك إنما كان بالنية، وإلا فالمنفق المتصدق فوقه بدرجة الإنفاق والصدقة، والعالم الذي لا مال له إنما ساواه في الأجر بالنية الجازمة المقترن بها مقدورهما، وهو القول المجرد"(4).
 
 
ويشترط لحصول الأجر بالنية أن تكون النية صادقة كما هو نص الحديث السابق، أي لا يمنع تحققها إلا العذر بعدم القدرة على العمل، كما جاء في الحديث: "إن بالمدينة أقواماً ما سلكنا وادياً، وشعباً إلا وهم معنا حبسهم العذر" (متفق عليه).
 
 
قال ابن رجب: "ومتى اقترن بالنية قول أو سعي، تأكد الجزاء، والتحق صاحبه بالعامل"(5).
 
 
وهذان الشرطان عامان في كل القرب، قال ابن بطال: "وقد جاء عن الرسول فيمن كان يعمل شيئاً من الطاعة ثم حبسه عنه مرض أو غيره أنه يكتب له ما كان يعمل وهو صحيح، وكذلك من نام عن حزبه نوماً غالباً كتب له أجر حزبه، وكان نومه صدقة عليه، وهذا معنى قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} [التين:6]، أي غير مقطوع بزمانه أو كبر أو ضعف، ففي هذا أن الإنسان يبلغ بنيته أجر العامل إذا كان لا يستطيع العمل الذي ينويه"(6).
 
 
وهنا نكتة في ضمير الهاء في قوله صلى الله عليه وسلم: "عبد رزقه الله مالاً وعلماً، فهو يتقي فيه"، بينها الصنعاني قائلاً: "أي فيما رزقه الله من الأمرين، والضمير للمال؛ لأن التقوى فيه أصعب؛ فإنه لا يتقي فيه إلا من عمل بعلمه أوله"(7).
 
 
___________________________________
(1)    قال ابن القيم: "فقسم السعداء قسمين وجعل العلم والعمل بموجبه سبب سعادتهما، وقسم الأشقياء قسمين وجعل الجهل وما يترتب عليه سبب شقاوتهما، فعادت السعادة بجملتها إلى العلم وموجبه، والشقاوة بجملتها إلى الجهل وثمرته" مفتاح السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة (1/180)، ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت.
(2)    فتح الباري لابن حجر (2/331).
(3)    جامع العلوم والحكم (2/321)، وابن رجب الحنبلي (المتوفى: 795هـ)، المحقق: شعيب الأرناؤوط – إبراهيم باجس، الناشر: مؤسسة الرسالة – بيروت، الطبعة: السابعة، 1422هـ/2001م.
(4)    مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة (1/179).
(5)    جامع العلوم والحكم: (2/320).
(6)    شرح صحيح البخاري لابن بطال (5/45).
(7)    التنوير شرح الجامع الصغير (5/163-164)، محمد بن إسماعيل الصنعاني المعروف بالأمير (المتوفى: 1182هـ)، المحقق: د. محمد إسحاق محمد إبراهيم، الناشر: مكتبة دار السلام، الرياض، الطبعة: الأولى، 1432هـ/2011م.


آخر إضافات الموقع

الأكثر مشاهدة