ليلة القدر.. ليلة يمتن الله بها على عباده بالسلام

السوسنة - ليلة القدر خير من الف شهر، يفرق فيها كل أمر حكيم، فضل إحيائها بالصلاة وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار والدعاء عظيم، يتحراها المسلمون في مختلف أرجاء المعمورة في العشر الأواخر من رمضان.

 
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم بشأنها عن أنس رضي الله عنه قال: دخل رمضان فقال رسول الله عليه السلام : (إن هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حرمها فقد حرم الخير كله، ولا يحرم خيرها إلا محروم).
 
المساعد السابق لأمين عام وزارة الاوقاف والشؤون والمقدسات الاسلامية الدكتور عبد الرحمن ابداح قال ان ليلة القدر هي ليلة (سلام) والمقصود بذلك هو ان الملائكة تسلم على المؤمنين والمؤمنات، حتى مطلع الفجر، مشيرا الى ان لهذا السلام فوائده وبركاته، اذ سلمت الملائكة على سيدنا ابراهيم عليه السلام ذات مرة لقوله تعالى (اذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام) فكان من بركات هذا السلام ان نجاه الله تعالى من النار فكيف بمن تسلم عليه الملائكة من المؤمنين طيلة هذه الليلة.
 
واشار الى ان ليلة القدر وبما نزل فيها من انوار الوحي احدثت اعظم تغيير في حياة البشرية اذ نقلتها من حياة ضالة تائهة الى حياة راشدة واعية آمنة، ونقلت الناس من حياة الطفولة البشرية الى حياة الرشد الانساني والعطاء الحضاري كثمرة من ثمرات قوله تعالى (اقرأ باسم ربك الذي خلق).
 
وبين ان ليلة القدر التي انزل فيها القرآن ليلة مباركة عظيمة يعم فيهـا الفضل ويشع منهـا الخير وتنهمـر فيها البركات فهي خير من الف شهر ومن استحق فضلها غفر ذنبه وعظم اجره وفتحت له ابواب السماء، مضيفا ان تسمية ليلة القدر بهذا الاسم قد يقصد به العظمة والمكانة لأنها ليلة لا تضاهى بمنزلتها العليا عند الله سبحانه وتعالى وقد تكون من (التقدير) اي ان المولى عز وجل يقدر فيها ما سيكون من ارزاق واحوال للسنة المقبلة كما أن بعض أهل العلم يرى انها من (الضيق) حيث تضيق الارض لكثرة ما يتنزل فيها من الملائكة لتشهد هذه الليلة بأمر من الله سبحانه وتعالى.
 
رئيس رابطة علماء الاردن الدكتور عبدالرحمن الكيلاني قال، ان الله عز وجل امتن على أمة نبيه عليه السلام بمواسم الطاعات، التي يضاعف فيها ربنا جل وعلا الأجور، وتتنزل الرحمات، وتحل النفحات من رب الأرض والسماوات، مشيرا الى ان من أبرز هذه المواسم شهر رمضان المبارك، الذي يقول في حقه عليه السلام، (من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه)، وفضل الله بعض ليالي هذا الشهر على بقية الليالي، فجعل أفضلها العشر الأواخر منها، وقد كان النبي عليه السلام يجتهد في التعبد لربه في العشر الأواخر من رمضان، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان النبي إذا دخلت العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله).
 
وبين ان الله تعالى ميز بين هذه الليالي بليلة جعل لها مزيد فضل ومنزلة، ألا وهي ليلة القدر التي يقول في حقها ربنا جل وعلا: "ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر".
 
واشار الى ان هذه الليلة المباركة تميزت بنزول القرآن الكريم فيها، كما امتازت بأن العمل فيها خير من عمل ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، كما يقول المفسرون.
 
وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله عليه السلام قال: (تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان).
 
وبين ان ليلة القدر فرصة سانحة للإنسان المسلم، لمراجعة النفس واستدراك الخطأ وتصويب المسيرة، وإعادة بناء الإنسان لشخصيته الأخلاقية المتوازنة المؤدية لحقوق الله وحقوق الناس .
 
كما أنها فرصة لصياغة شخصية الأمة الحضارية وإعادة تأهيلها وبناء وحدتها حيث إن اجتماع المسلمين في بيوت الله عز وجل في شتى بقاع الأرض لإحياء الليل وقيامه هي دعوة صريحة لوحدة قلوب المسلمين، وتآلف أفئدة المؤمنين، عندما ترى المصلين في كافة أقطار الأرض مقبلين على المساجد، يؤدون نفس الصلاة، ويتجهون إلى ذات القبلة، ويقفون بين يدي إله واحد، يركعون له ويسجدون، ويتضرعون له ويبكون، راجين رحمته، وعائذين من عذابه. لترى بذلك وحدة هذه الأمة في أجمل صورها، وأبهى مشاهدها.
 
وقال ان الوحدة التي تعبر عنها العبادة هي دعوة إلى الوحدة في الموقف، والوحدة في العمل، والوحدة في المسير والمصير، كما أنها دعوة لبناء الأمة الواحدة التي يصفها سيد الخلق سيدنا محمد عليه السلام بقوله: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم، وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد، بالحمى والسهر).
 
وأضاف ان ليلة القدر تربي أفراد الأمة على التميز والإبداع في أداء أعمالهم، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في الليالي العشر الأواخر من رمضان ما لا يجتهده في بقية ليالي رمضان وذلك حتى يعلمنا التميز والإبداع في العمل والإنجاز، وليكون درسا تربويا في الحرص على قيمة التميز والإبداع في أداء الأعمال كلها، لأن العبادات مصنع للقيم الأخلاقية التي يجب أن تظهر في سلوكنا ومعاملاتنا وحياتنا في سائر شؤون الحياة.