الرجعة في الطلاق - الشيخ فيصل آل مبارك

قوله: "من طلَّق - بلا عوض - زوجته بنكاح صحيح دون ما له من العدد فله رجعتها في عدتها ولو كرهت؛ لقوله تعالى: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ ﴾ [البقرة: 228]..." إلى آخره[1].
 
قال في "المقنع": "إذا طلَّق الحُر امرأته بعد دخوله بها أقل من ثلاث، والعبد واحدة بغير عوض فله رجعتها ما دامت في العدة، رضيت أو كرهت"[2].
 
قال في "الحاشية": "الرجعة ثابتة بالكتاب، والسنة، والإجماع[3].
 
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا ﴾، أي: رجعة، قاله الشافعي[4] والعلماء، وقال: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ [البقرة: 231] أي: بالرجعة، ومعناها: إذا قاربن بلوغ أجلهن أي: انقضاء عدتهن.
 
وأما السُّنة: فقوله في حديث ابن عمر: (مُره فليراجعها)[5].
 
وروى أبو داود عن عمر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم طلَّق حفصة ثم راجعها[6]، وأجمع أهل العلم أن الحُر إذا طلَّق الحرة دون الثلاث، والعبد إذا طلَّق واحدة فلها الرجعة في العِدَّة[7]، ذكره ابن المنذر[8].
 
قوله: "رضيت أو كرهت" هذا المذهب[9]؛ لعموم النص، ولأن الرجعة إمساك للمرأة بحكم الزوجية فلا يعتبر رضاها في ذلك كالذي في صلب نكاحها ولو بلا إذن سيد.
وقال الشيخ تقي الدين[10]: لا يُمكن من الرجعة إلا من أراد إصلاحًا وأمسك بمعروف، فلو طلَّق إذًا ففي تحريمه الروايات، وقال: القرآن يدل على أنه لا يملكه، وأنه لو أوقعه لم يقع كما لو طلق البائن.
 
ومن قال: إن الشارع ملَّك الإنسان ما حرَّم عليه فقد تناقض، ولا تفتقر الرجعة إلى ولي، ولا صداق، ولا رضا المرأة، ولا علمها بإجماع أهل العلم[11]، ولو كانت حاملًا فوضعت بعض الولد فله رجعتها؛ لأنها لم تضع جميع حملها، وإن كانت حاملًا باثنين فله رجعتها قبل وضع الثاني في قول عامتهم، وحُكي عن عكرمة: تنقضي عدتها بوضع الأول"[12].
 
وقال البخاري: "باب ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ﴾ في العدة وكيف يُراجع المرأة إذا طلقها واحدةً أو ثنتين، وقوله: ﴿ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ [البقرة232]".
 
وذكر حديث معقل بن يسار: كانت أخته تحت رجل فطلقها ثم خلى عنها حتى انقضت عدتها، ثم خطبها فحمي معقل من ذلك أنفًا فقال: خلَّى عنها وهو يقدر عليها ثم يخطبها، فحال بينه وبينها فأنزل الله تعالى: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ ﴾... إلى آخر الآية، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه، فترك الحمية واستقاد لأمر الله[13]، ثم ذكر حديث ابن عمر في طلاق الحائض[14]".
 
قال الحافظ: "وقال ابن بطال[15] ما مُلخصه: المراجعة على ضربين: إما في العدة، فهي على ما في حديث ابن عمر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بمراجعتها، ولم يذكر أنه احتاج إلى عقدٍ جديدٍ، وإما بعد العدَّة، فعلى ما في حديث معقل.
 
وقد أجمعوا[16] على أن الحُرَّ إذا طلَّق الحرة بعد الدخول بها تطليقة أو تطليقتين فهو أحقُّ برجعتها ولو كرهت المرأة ذلك، فإن لم يُراجع حتى انقضت العدة فتصير [أجنبية فلا تحل له إلا بنكاح مستأنف].
 
واختلف السلف فيما يكون به الرجل مُراجعًا، فقال الأوزاعي: إذا جامعها فقد راجعها، وجاء ذلك عن بعض التابعين، وبه قال مالك[17] وإسحاق بشرط أن ينوي به الرجعة.
 
وقال الكوفيون[18] كالأوزاعي وزادوا: ولو لمسها بشهوةٍ، أو نظر إلى فرجها بشهوة.
 
وقال الشافعي[19]: لا تكون الرجعة إلا بكلام، وانبنى على هذا الخلاف: جواز الوطء وتحريمه، وحجة الشافعي: أن الطلاق مُزيل للنكاح، وأقرب ما يظهر ذلك في حل الوطء وعدمه؛ لأن الحل معنى يجوز أن يرجع في النكاح ويعود كما في إسلام أحد المشركين ثم إسلام الآخر في العدة، وكما يرتفع بالصوم والإحرام والحيض ثم يعود بزوال هذه المعاني.
 
وحجَّةُ من أجاز أن النكاح لو زال لم تعد المرأة إلا بعقدٍ جديد، وبصحة الخلع في الرجعية، ولوقوع الطلقة الثانية، والجواب عن كل ذلك: أن النكاح ما زال أصله وإنما زال وصفه.
وقال ابن السمعاني: الحق أن القياس يقتضي أن الطلاق إذا وقع زال النكاح كالعتق، لكن الشرع أثبت الرجعة في النكاح دون العتق فافترقا"[20].
 
وقال في "الإفصاح": "واتفقوا على أن للرجل أن يُراجع المطلقة الرجعية[21].
 
واختلفوا هل يجوز وطء المطلقة الرجعية أم لا؟.
 
فقال أبو حنيفة[22]، وأحمد[23] في أظهر الروايتين: ليس بمُحرم.
 
وقال مالك[24] والشافعي[25] وأحمد[26] في الرواية الأخرى: هو محرم. واختلفوا في الوطء في الطلاق الرجعي هل يصير مراجعًا بنفس الوطء؟ فقال أبو حنيفة[27] وأحمد[28] في أظهر الروايتين: يصير مُراجعًا به، ولا يفتقر معه إلى قولٍ سواء كان ينوي به الرجعة أو لا ينويها.
 
وقال مالك[29]: إن نوى بها الرجعة كانت رجعة.
 
وقال الشافعي[30]: لا تصح الرجعة إلا بالقول، وعن أحمد[31] مثله، وعن مالك[32] في رواية ابن وهب كمذهب أبي حنيفة وأحمد.
 
واختلفوا هل من شرط الرجعة الشهادة أم لا؟.
 
فقال أبو حنيفة[33] وأحمد[34] ومالك[35]: ليس من شرطها الشهادة بل هي مستحبة.
 
وقال الشافعي[36] في أحد قوليه: الشهادة شرطٌ فيها، وعن أحمد[37] مثله"[38].
 
وقال ابن رُشد: "وأجمع المسلمون على أن الزوج يملك رجعة الزوجة في الطلاق الرجعي ما دامت في العدة من غير اعتبار رضاها[39]؛ لقوله تعالى: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ ﴾ [البقرة: 228] وأن من شرط هذا الطلاق تقدم المسيس له.
 
واتفقوا على أنها تكون بالقول، والإشهاد[40].
 
واختلفوا هل الإشهاد شرط في صحتها أم ليس بشرطٍ؟ وكذلك اختلفوا هل تصح الرجعة بالوطء؟
 
فأما الإشهاد: فذهب مالك[41] إلى أنه مُستحب، وذهب الشافعي[42] إلى أنه واجب.
 
وسبب الخلاف: مُعارضة القياس للظاهر، وذلك أن الظاهر قوله تعالى: ﴿ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ ﴾ [الطلاق: 2] يقتضي الوجوب، وتشبيه هذا الحق بسائر الحقوق التي يقبضها الإنسان يقتضي ألا يجب الإشهاد، فكان الجمع بين القياس والآية حمل الآية على الندب.
 
وأما اختلافهم فيما تكون به الرَّجعة: فإن قومًا قالوا: لا تكون الرجعة إلا بالقول فقط، وبه قال الشافعي[43]، وقوم قالوا: تكون رجعتها بالوطء. وهؤلاء انقسموا قسمين: فقال قومٌ: لا تصح الرجعة بالوطء إلا إذا نوى بذلك الرجعة؛ لأن الفعل عنده يتنزل منزلة القول مع النية، وهو قول مالك[44].
 
وأما أبو حنيفة[45] فأجاز الرجعة بالوطء إذا نوى بذلك الرجعة أو دون النية.
 
فأما الشافعي فقاس الرجعة على النكاح وقال: قد أمر الله بالإشهاد، ولا يكون الإشهاد إلا على القول.
 
وأما سبب الاختلاف بين مالك وأبي حنيفة: فإن أبا حنيفة[46] يرى أن الرجعية محللة الوطء عنده قياسًا على المولي منها وعلى المظاهرة، ولأن الملك لم ينفصل عنده؛ ولذلك كان التوارث بينهما، وعند مالك[47]: أن وطء الرجعية حرام حتى يرتجعها فلا بد عنده من النية، فهذا هو اختلافهم في شروط صحة الرجعة.
 
واختلفوا في مقدار ما يجوز للزوج أن يطلع عليه من المطلقة الرجعية ما دامت في العدة:
فقال مالك[48]: لا يخلو معها، ولا يدخل عليها إلا بإذنها، ولا ينظر إلى شعرها، ولا بأس أن يأكل معها إذا كان معهما غيرهما، وحكى ابن القاسم أنه رجع عن إباحة الأكل معها.
 
وقال أبو حنيفة[49]: لا بأس أن تتزين الرجعية لزوجها وتتطيب له وتتشوف وتبدي البنان والكحل، وبه قال الثوري، وأبو يوسف[50]، والأوزاعي، وكلهم قالوا: لا يدخل عليها إلا أن تعلم بدخوله بقولٍ أو حركةٍ من تنحنح أو خفق نعلٍ.
 
واختلفوا من هذا الباب في الرجل يُطلق زوجته طلقة رجعية وهو غائب، ثم يراجعها، فيبلغها الطلاق ولا تبلغها الرجعة، فتتزوج إذا انقضت عدتها:
فذهب مالك[51] إلى أنها للذي عقد عليها النكاح، دخل بها أو لم يدخل، هذا قوله في "الموطأ"، وبه قال الأوزاعي والليث، وروى عنه ابن القاسم[52]: أنه رجع عن القول الأول، وأنه قال: الأول أولى بها إلا أن يدخل الثاني، وبالقول الأول قال المدنيون من أصحابه قالوا: ولم يرجع عنه؛ لأنه أثبته في موطئه إلى يوم مات، وهو يقرأ عليه، وهو قول عمر بن الخطاب، ورواه عنه مالك في "الموطأ".
وأما الشافعي[53] والكوفيون وأبو حنيفة[54] فقالوا: زوجها الأول الذي ارتجعها أحق بها، دخل بها الثاني أو لم يدخل، وبه قال داود، وأبو ثور، وهو مرويٌّ عن علي رضي الله عنه[55] وهو الأبين، وقد رُوي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال في هذه المسألة: إن الزوج الذي ارتجعها مخيَّر بين أن تكون امرأته، أو أن يرجع عليها بما كان أصدقها.
 
وحُجة مالك في الرواية الأولى: ما رواه ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب أنه قال: مضت السُّنة في الذي يُطلق امرأته، ثم يراجعها، فيكتمها رجعتها حتى تحل فتنكح زوجًا غيره؛ أنه ليس له من أمرها شيء، ولكنها لمن تزوجها[56]، وقد قيل: إن هذا الحديث إنما يُروى عن ابن شهاب فقط.
وحُجَّة الفريق الأول: أن العلماء قد أجمعوا على أن الرجعة صحيحة وإن لم تعلم بها المرأة[57] بدليل أنهم قد أجمعوا على أن الأول أحقّ بها قبل أن تتزوج، وإذا كانت الرجعة صحيحة كان زواج الثاني فاسدًا، فإن نكاح الغير لا تأثير له في إبطال الرجعة، لا قبل الدخول ولا بعد الدخول، وهو الأظهر - إن شاء الله - ويشهد لهذا ما خرَّجه الترمذي، عن سمرة بن جُندب: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أيما امرأة تزوجها اثنان فهي للأول منهما، ومن باع بيعًا من رجلين فهو للأول منهما[58]"[59].
 
وقال في "الاختيارات": "كتابُ الرجعة، قال أبو العباس: أبو حنيفة[60] يجعل الوطء رجعةً، وهو إحدى الروايات عن أحمد[61].
والشافعي[62] لا يجعله رجعة، وهو رواية عن أحمد[63].
ومالك[64] يجعله رجعة مع النية، وهو رواية أيضًا عن أحمد[65] فيبيح وطء الرجعية إذا قصد به الرجعة. وهذا أعدل الأقوال وأشبهها بالأصول، وكلام أبي موسى[66] في "الإرشاد" يقتضيه، ولا تصح الرجعة مع الكتمان بحال، وذكره أبو بكر في "الشافي"، ورُوي عن أبي طالب قال: سألت أحمد عن رجل طلَّق امرأته وراجعها واستكتم الشهود حتى انقضت العدة، قال[67]: يُفرق بينهما، ولا رجعة له عليها، ويلزم إعلان التسريح والخلع والإشهاد كالنكاح دون ابتداء الفرقة[68]" انتهى.
قلت: والذي يظهر التفرقة هنا في استكتام الشهود في الرجعة فمن كان مراده الإصلاح صحَّت رجعته.
 
 
 


آخر إضافات الموقع

الأكثر مشاهدة