أهمية الوعظ - محمد عبدالرحمن المرحوم

إنَّ قيام الإنسان بالموعظة الحسنة إنما هو اتباع لمنهج الأنبياء والمرسلين - عليهم الصلاة والسلام -، واقتفاء لآثارهم، والتزام بسبيلهم، قال تعالى: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ [النحل: 125] [1].
 
فإن الوعظ من الأبواب العظيمة في مقام الدعوة الى الله، والخلق بحاجة ماسة اليه، لكثرة انشغالهم بالدنيا وإقبالهم عليها، وقسوة قلوبهم وإعراضهم عن الآخرة، وما يعرض لهم من فتور وضعف في الإيمان وتفريط فيما افترضه الله عليهم وجهلهم لشرائع الدين. وتبرز أهمية الموعظة الحسنة للعلماء من خلال الآتي:
أولاً: أنَّ الواعظ يذكرهم بالله تعالى، ويحيي القلوب بذكره، ويبصرهم بمواطن الخلل في نفوسهم، ويحررهم من رق الشيطان، والتعلق بالدنيا، فهم أولى الناس بالبعد عن الدنيا الفانية، والإقبال على أمور الآخرة.
 
يقول مالك بن دينار: سألت الحسن البصري رحمه الله تعالى ما عقوبة العالم؟
 
قال: موت القلب، قلت: وما موت القلب؟ قال: طلب الدنيا بعمل الآخرة [2].
 
وقال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: إني لأرحم ثلاثة: عزيز قوم ذل، وغني قوم افتقر، وعالماً تلعب به الدنيا.
 
ويقول يحيى بن معاذ رحمه الله تعالى: إنما يذهب بهاء العلم والحكمة، إذا طلب بهما الدنيا[3].
 
ويقول ابن الجوزي رحمه الله تعالى: (رأيت أكثر العلماء يتشاغلون بصورة العلم، فَهمُّ الفقيه التدريس، وهَمُّ الواعظ الوعظ، فهذا يرعى درسه فيفرح بكثرة من يسمعه، ويقدح في كلام من يخالفه، ويمضي زمانه، في التفكر في المناقضات، ليقهر من يجادله، وعينه إلى التصدر والارتفاع في المجالس، وربما كانت همته جمع الحطام، ومخالطة السلاطين.
 
والواعظ همته ما يزوق به كلامه، ويكثر جمعه، ويجلب به قلوب الناس إلى تعظيمه، فإن كان له نظير في شغله أخذ يطعن فيه.
 
وهذه قلوب غافلة عن الله عز وجل، إذ لو كانت لها به معرفة لاشتغلت به، وكان أنسها بمناجاته، وإيثارها لطاعته، وإقبالها على الخلوة به.
 
لكنها لما خلت من هذا تشاغلت بالدنيا وذاك دنيا مثلها.
 
فإذا خلت بخدمة الله تعالى لم تجد لها طعماً، وكان جمع الناس أحب إليها، وزيارة الخلق لها آثر عندها، وهذه علامة الخذلان.
 
وعلى ضد هذا متى كان العالم مقبلاً على الله سبحانه مشغولاً بطاعته، كان أصعب الأشياء عنده لقاء الخلق ومحادثتهم، وأحب الأشياء إليه الخلوة.
 
وكان عنده شغل عن القدح في النظراء، أو عن طلب الرياسة.
 
فإن ما علق به همته من الآخرة أعلى من ذلك، والنفس لا بد لها مما تشاغل به.
 
فمن اشتغل لخدمة الخلق أعرض عن الحق، فإنما يربي رياسته، وذلك يوجب الإعراض عن الحق، وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) [4].
 
ثانياً: أنه قد يحدث من بعض العلماء أخطاء وزلات إذ ليس هو بمعصوم، فهو بشر يعتريه ما يعتري غيره من الهفوات؛ لذا يحتاج إلى من يقيم اعوجاجه؛ لأنه قد يزل ذاك العالِم فيزل معه عَالَم لاقتدائهم به.
 
عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: ويل للأتباع من عثرات العالِم، قيل: وكيف ذاك؟ قال: يقول العالِم برأيه فيبلغه الشيء عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه فيرجع، ويمضي الأتباع بما سمعوا[5].
 
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: ومن المعلوم أنَّ المَخوفَ في زلة العَالِم، تقليده فيها، إذ لولا التقليد لم يخَفْ من زلة العَالِم على غيره[6].
 
وعن زياد بن حُدَيْر قال:قال لي عمر رضي الله عنه:هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قال: قلت: لا، قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين[7].
 
يقول الطيبي - رحمه الله تعالى-: المراد (بهدم الإسلام) تعطيل أركانه الخمسة في قوله عليه الصلاة والسلام: "بني الإسـلام على خمس الحديث"[8]، وتعطيله إنما يحصل من زلة العالم، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باتباع الهوى، ومن جدال المبتدعة وغلوّهم في إقامة البدع، بالتمسك بتأويلاتهم الزائغة، ومن ظهور ظلم الأئمة المضلين وحكم المزوّرين، وإنما قدمت زلة العالم لأنها هي السبب في الخصلتين الأخيرتين كما جاء: (زلة العالِم زلة العالَم) [9].
 
 
وقال سلمان الفارسي رضي الله عنه: كيف أنتم عند ثلاث زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، ودنيا تقطع أعناقكم؟ فأما زلة العالم فإن اهتدى فلا تقلدوه دينكم، وأما مجادلة منافق بالقرآن، فإن للقرآن مناراً كمنار الطريق، فما عرفتم منه فخذوه، ومالم تعرفوه فكلوه إلى الله، وأما دنيا تقطع أعناقكم، فانظروا إلى من هو دونكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم.
 
وشبه العلماء زلة العالم بانكسار السفينة؛ لأنها إذا غرقت غرق معها خلق كثير.
 
وإذا صح وثبت أن العالم يزل ويخطئ، لم يجز لأحد أن يفتي ويدين بقول لا يعرف وجهه[10].
 
وقال أبو المنصور فتح بن علي الدمياطي:
أيها العالم إياك الزللْ 
واحذر الهفوة فالخطب جللْ 
هفوة العالم مستعظمة 
إن هفا أصبح في الخلق مثل 
وعلى زلته عمدتهم 
فيها يحتج من أخطأ وزل 
لا تقل يستر علمي زلتي 
بل بها يحصل في العلم الخلل 
إن تكن عندك مستحقرة 
فهي عند الله والناس جبل 
ليس من يتبعه العالم في 
كل ما دق من الأمر وجل 
مثل من يدفع عنه جهله 
إن أتى فاحشة قيل جهل 
انظر الأنجم مهما سقطت 
من رآها وهي تهوي لم يبل 
فإذا الشمس بدت كاسفة 
وجل الخلق لها كل الوجل 
وترامت نحوها أبصارهم 
في انزعاج واضطراب وزجل 
وسرى النقص لهم من نقصها 
فغدت مظلمة منها السبل 
وكذا العالم في زلته 
يفتن العالم طرا ويضل 
يقتدى منه بما فيه هفا 
لا بما استعصم فيه واستقل 
فهو ملح الأرض ما يصلحه 
إن بدا فيه فساد أو خلل؟[11] 
 
ثالثاً: إنَّ تقصير العلماء في تبليغ الأمانة التي حمِّلوا إياها، سبب في هلاك الأمم وضياعها، إذ إنَّ العلماء هم الآمرون بالمعروف حقاً، والناهون عن المنكر حقاً.
فتنبيه الواعظ لهؤلاء العلماء على ضرورة أداء الأمانة وتبليغ الرسالة، فيه خير للأمة جميعاً؛ وقد قال تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ [آل عمران: 110] [12] [13].
 
 
 


آخر إضافات الموقع

الأكثر مشاهدة