أخلاق التعايش في الإسلام - أ. د. عبدالحليم عويس

تشتمل المنظومة الأخلاقية في الإسلام على جملة أخلاق يصح أن نسميها "أخلاق التعايش"، ونعني بها تلك الأخلاق المنظمة لشؤون المجتمع الإسلامي وعلاقات أبنائه فيما بينهم، سواء العلاقات بين المسلمين أنفسهم، أو العلاقات بينهم وبين غيرهم من أصحاب الأديان الأخرى. وتلك الأخلاق تزيد من مساحة التعاون والتضامن والتكافل بين المواطنين الذين يعيشون في دولة واحدة أو في وطن واحد.
 
والتكافل بين المسلمين يسمى (الأخوة الإيمانية)، وهي أخوة عامة بين المسلمين، وفي مرحلة قيام الدولة الإسلامية قام تكافل، أو أخوة خاصة تسمى (المؤاخاة)، والمؤاخاة أخص وأعمق من الأخوة، وهي أسمى وأزكى أنواع التكافل والاندماج والتساند والتضامن.
 
ومن البديهي أن (المؤاخاة) لا تلغي الأخوة بل تكملها، كما أنهما معاً لا يلغيان حق التكافل الاجتماعي القائم بين أبناء الوطن، مسلمين أم غير مسلمين، فلهم في مستوى التكافل الاجتماعي والتساند الوطني ما للمسلمين وعليهم ما عليهم..
 
ومن هذا ندرك طبيعة المجتمع الذي أقامه الرسول عليه السلام في دولة المدينة، فهو مجتمع مواطنين متكافلين، ومجتمع الأخوة الإيمانية التي ترتفع درجة عن المواطنة، وتقوم بين عموم المسلمين، فالإسلام رحم بين أهله، ثم هناك المستوى الأعظم وهو مستوى (المؤاخاة) بين المهاجرين والأنصار القائم على المثالية الكاملة التي لا يكاد يعرف التاريخ لها مثيلاً [1]، والمؤاخاة مستمرة في التاريخ دون توارث، كما أن المستويين الآخرين مستمرّان كذلك.
 
والقدر المشترك بين هذه المستويات هو الألفة والمحبة والصفاء والود وإخلاص السريرة بين أفراد المجتمع، ولهذا أثره المحسوس في سرعة الامتزاج والاندماج بين الأفراد بعضهم بعضاً في مظهر الإخاء الكامل الذي توافرت له السمات البارزة في القضاء على الفوارق الاجتماعية، وإزالة الحواجز النفسية والموانع العصبية بين هؤلاء الناس جميعاً، ولقد كانت القاعدة التي وضعها النبي الكريم أساساً قام عليه هذا التضامن الجديد هي قوله: " مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم؛ مثل الجسد: إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"، وقوله الشريف: "المؤمنين تتكافأ دماؤهم"، أي تتساوى "ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم".
 
وكان الفرد في هذا المجتمع الإسلامي الجديد مسلماً أو غير مسلم يسير بروح الجماعة، ويراعي مصلحتها، ويسعى إلى تحقيق أهدافها، فكانت رغباته، وطموحاته تتطابق مع رغبات وطموحات تلك الجماعة الإسلامية؛ لأن هذا حق المواطنة.. فالوطن والحضارة والحياة المشتركة توجب هذا الولاء، وهذا هو المعنى العام للتضامن.
 
وهذا النوع من التضامن يوجب على جميع القوى الإنسانية في ظل هذا المجتمع الإسلامي ألا تدخر جهداً أو أن تتوانى في سبيل المحافظة على مصالح الآحاد، أو أن تقعد عن حل مشكلاتهم، وهذا هو الأساس البنائي الذي أقامه الرسول صلى الله عليه وسلم في مجتمعه الإسلامي الكبير من خلال صحيفة الدستور التي تضمن حقوق غير المسلمين، ومن خلال (المؤاخاة) بين المسلمين [2].
 
وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المقام جملة من الأقوال والتوجيهات تأسس عليها مبدأ التكافل الاجتماعي منها قوله صلى الله عليه وسلم: "أيما أهل عرصة" الحي والمكان "أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله تبارك وتعالى"، وفي حديث آخر: "من كان عنده فضل زاد فليعد به على من لا زاد له"، وفي حديث ثالث عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه".
 
ونحن نرى في هذه الأحاديث الثلاثة الأخيرة اتجاه الخطاب إلى المسلمين وغير المسلمين، فلا خصوصية للمسلم في هذا المستوى التكافلي الاجتماعي العام.
 
وهكذا تأسس المجتمع الإسلامي الجديد على التضامن والتكافل الاجتماعي، فالأفراد كلهم جسدٌ واحد، وروح واحدة في الإحساس بالألم والشعور بالمشاركة فيه، فضلاً عن أنهم سواسية في تحقيق التضامن والتكافل.
 
وهذا ما دفع "ابن حزم الأندلسيّ (456هـ)" ومن وافقه من فقهاء الإسلام إلى القول بتحميل سكان كل بلد المسؤولية الجنائية في موت فرد من أفراد هذا البلد جوعاً.
 
 
 


آخر إضافات الموقع

الأكثر مشاهدة