كيفية الصبر على السراء والضراء

السوسنة - على المؤمن أن يواجه الضرّاء بأن يعلم أولاً أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، فالأقدار ماضية، والبلايا محتومة؛ لا يدفعها الضجر واليأس والتسخط، ثم على المؤمن أن يستذكر أن هذه الضرّاء المقدرةَ عليه؛ لم تكن لتصبح قدراً إلا بسبب ما ارتكبه من ذنوب.. ولأن الله تعالى يحبه لإيمانه؛ يبتليه بالضرر كي يصبر فيُمحى ذنبه، قال الله سبحانه: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} [الشورى:30]، وفي حديث عائشة المتفق عليه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من مصيبة تصيب المسلم؛ إلا كفّر الله بها عنه، حتى الشوكة يُشاكُها"، وفي رواية لمسلم: "ما من شيء يصيب المؤمن، حتى الشوكة تصيبه؛ إلا كتب الله له بها حسنة، أو حُطَّت عنه بها خطيئة".

فضل بر الوالدين


وهنا أمر ينبغي التنبيه عليه؛ وهو أن الصبر على الضرّاء لا يستوجب عدم الحزن لوقوعها، فهذا أمر فوق طاقة الإنسان، والرحيم سبحانه لا يكلفنا بما لا نطيق .. ولتدركَ أنك لن تكون أكثر صبراً من أكمل الخلق محمد صلى الله عليه وسلم؛ اقرأ معي هذا الحديث الذي رواه الشيخان عن أنس رضي الله عنه قال (واللفظ للبخاري): دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سيفٍ القَيْن (أي الحدّاد) وكان ظئراً لإبراهيم عليه السلام (أي زوج مرضعة إبراهيم ولد النبي عليه الصلاة والسلام)، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيمَ، فقبّله، وشمَّه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيمُ يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان، فقال له عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه: وأنت يا رسولَ الله؟ فقال: يا ابن عوف! إنها رحمة" ثم أتْبَعَها بأخرى، فقال صلى الله عليه وسلم: "إن العين تدمع، والقلبَ يحزن، ولا نقول إلا ما يَرضى ربُّنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون".

وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما -كما عند الشيخين، واللفظ لمسلم- قال: اشتكى سعدُ بن عبادة شكوى له، فأتى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يعودُه مع عبدالرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبدالله بن مسعود، فلما دخل عليه وجده في غَشِيّة، فقال: "أقد قضى؟"، قالوا: لا يا رسول الله! فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى القومُ بكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بكَوا، فقال: "ألا تسمعون؟ إن الله لا يعذبُ بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا -وأشار إلى لسانه-، أو يرحم".