ما هي الذنوب التي يعذب عليها العصاة في القبر؟

السوسنة - إن المؤمن قبل أن يصدر منه القول والفعل، يزنه بميزان، هذا الميزان مرتبط بتقوى الله تعالى وبإيمانه بالنار والجنة، وبنعيم القبر وعذاب، فلا يظهر من المؤمن إلاّ الأعمال الصالحة وإن وقع منه ما لا يليق، وما لا يرضي الله تعالى فإنه يرى عذاب النار والقبر أقرب إليه من شراك نعله، فلا يهدأ له بال ولا يقر له قرار، حتى يستغفر الله من الذنوب ويتوب إليه سبحانه، حتى يعود إلى الله تعالى باكياً خاشعا نادمًا، وعن عذاب القبر قال الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق أن عذاب القبر حق ، وفيه عذاب لا حساب ، ولا يكون العذاب على كل ما صدر من المسلم من قول او فعل ، بل على بعض من الأعمال السيئة ، فهناك أعمال يعجل العذاب عليها في القبر كما في الحديث ثابت عن النبي ﷺ، أخرجه البخاري و مسلم في الصحيحين، قال: «مر النبي ﷺ على قبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستنزه من البول وفي لفظٍ: لا يستتر من البول فأخذ جريدة رطبة فشقها نصفين ثم غرز على كل قبرٍ واحدة وقال: لعله يخفف عنهما ما لم تيبسا.


فما هي الذنوب التي يعذب عليها العاصي في قبره؟
1. أول ذنب للذي يأخذ القرآن ويرفضه، والنائم عن الصلاة المكتوبة، كما جاء في حديث سمرة  وفيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي، وَإِنَّهُمَا قَالاَ لِي: انْطَلِقْ، وَإِنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا، وَإِنَّا أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ، وَإِذَا هُوَ يَهْوِي بِالصَّخْرَةِ لِرَأْسِهِ، فَيَثْلَغُ رَأْسَهُ، فَيَتَدَهْدَهُ الحَجَرُ هَا هُنَا، فَيَتْبَعُ الحَجَرَ، فَيَأْخُذُهُ، فَلاَ يَرْجِعُ إِلَيْهِ حَتَّى يَصِحَّ رَأْسُهُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ، فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ المَرَّةَ الأُولَى، قال: قلت: لهما سبحان الله، ما هذا؟.. قالا لي: إنا سنخبرك.. أَمَّا الرَّجُلُ الأَوَّلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالحَجَرِ، فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَأْخُذُ القُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ ـ أي: يترك حفظ حروفه، والعمل بمعانيه ـ قاله ابن بطال ـ وَيَنَامُ عَنِ الصَّلاَةِ المَكْتُوبَةِ... الحديث رواه البخاري.

2. والعذاب الثاني لذنب الكذب، ففي حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه كذلك  فَانْطَلَقْنَا ، فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفَاهُ ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلُّوبٍ مِنْ حَدِيدٍ ، وَإِذَا هُوَ يَأْتِي أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ فَيُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إِلَى قَفَاهُ ، وَمَنْخِرَهُ إِلَى قَفَاهُ ، وَعَيْنَهُ إِلَى قَفَاهُ ، - قَالَ : وَرُبَّمَا قَالَ أَبُو رَجَاءٍ : فَيَشُقُّ - قَالَ : ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الجَانِبِ الآخَرِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالْجَانِبِ الأَوَّلِ ، فَمَا يَفْرُغُ مِنْ ذَلِكَ الجَانِبِ حَتَّى يَصِحَّ ذَلِكَ الجَانِبُ كَمَا كَانَ ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلَ المَرَّةَ الأُولَى ، وفي آخر الحديث :(وأما الرجل الذي أتيت عليه يشر شر شدقة إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه، فإنه الرجل يعدو من بيته فيمذب الكذب تبلغ الآفاق)، وفي رواية :( فيفعل به إلى يوم القيامة).

3. وأما العذاب الثالث فهو من نصيب الزناة والزواني، وفي الحديث السابق كذلك  فَانْطَلَقْنَا ، فَأَتَيْنَا عَلَى مِثْلِ التَّنُّورِ - قَالَ : فَأَحْسِبُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ - فَإِذَا فِيهِ لَغَطٌ وَأَصْوَاتٌ قَالَ : فَاطَّلَعْنَا فِيهِ ، فَإِذَا فِيهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ ، وَإِذَا هُمْ يَأْتِيهِمْ لَهَبٌ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ ، فَإِذَا أَتَاهُمْ ذَلِكَ اللَّهَبُ ضَوْضَوْا قَالَ : قُلْتُ لَهُمَا : مَا هَؤُلاَءِ ؟ قَالَ : قَالاَ لِي : انْطَلِقِ انْطَلِقْ، وفي بيان هؤلاء جاء الحديث :( وأما الرجال والنساء العراة الذين هم في مثل بناء التمور فإنهم الزناة والزواني).


4. عذاب آكل الربا في القبر بيانه في الحديث السابق الذكر فَانْطَلَقْنَا ، فَأَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ - حَسِبْتُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ - أَحْمَرَ مِثْلِ الدَّمِ ، وَإِذَا فِي النَّهَرِ رَجُلٌ سَابِحٌ يَسْبَحُ ، وَإِذَا عَلَى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ حِجَارَةً كَثِيرَةً ، وَإِذَا ذَلِكَ السَّابِحُ يَسْبَحُ مَا يَسْبَحُ ، ثُمَّ يَأْتِي ذَلِكَ الَّذِي قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ الحِجَارَةَ ، فَيَفْغَرُ لَهُ فَاهُ فَيُلْقِمُهُ حَجَرًا فَيَنْطَلِقُ يَسْبَحُ ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِ كُلَّمَا رَجَعَ إِلَيْهِ فَغَرَ لَهُ فَاهُ فَأَلْقَمَهُ حَجَرًا  وفي آخر الحديث :( وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويلقم الحجارة، فإنه آكل الربا).

5. وفي  حديث جيد، رواه الحاكم في صحيحه ورواه جماعة، ولفظه: ( استنزهوا من البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه) لذا من لا يستبرئ من بوله فله نصيب من عذاب القبر.

6. ويزيد عذاب الميت في قبره ببعض بكاء أهله عليه، قال صلى الله عليه وسلم :( أن الله يزيد الكافر عذابا ببعض بكاء أهله عليه)، كذلك النواح على الميت يزيد من عذابه في القبر، روى البخاري (1291) ومسلم (933) عَنْ الْمُغِيرَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ ) زاد مسلم : ( يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) . 

7. أما من كان يمشي في النميمة فقد جاء به هذا الحديث المتقف عليه :( عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال:أنهما يعذبان في كبير بلى أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستنزه من البول وفي لفظٍ: لا يستتر من البول )

وبمعرفة هذا والإيمان به، صلاح للباطن، والذي يترتب عليه صلاح الظاهر، وفيه استقامة السلوك المترتب عليه العيش الآمن المطمئن، لأننا نعلم أن سبب فساد الناس كلهم أفرادا وجماعات، إنما هو عدم وجود الوازع والرادع، وأعظم وأروع رادع هو الإيمان بالله تعالى، ومراقبته في الخلوة والجلوة، في السر والعلن، والإيمان بالملائكة والقبر بما فيه من نعيم وعذاب والإيمان بالجنة والنار... إلى غير ذلك مما ينبغي الإيمان به.