ما حكم العمل بالاقوال الفقهية الشاذة عن الجمهور

 السوسنة اسلام - يخطر ببالنا أحيانا تساؤلات تتعلق بالاخذ باي من الاراء الفقهية وخاصة الاراء الشاذة والمختلفة عن راي الجمهور وبالعودة الى المتخصصين كانت لاجابة عن هذا السؤال : 

لفتوى في مسائل الدين أمرٌ مهم، ولها أثر عظيم في حياة الأمة، فإن الفتوى هي إخبار عن أحكام الشرع التي أمر الله تعالى الناس بالاحتكام إليها، وجعلها نظاماً لتعاملهم في الدنيا لتكون لهم عاقبةُ الحسنى في الدارين، ولقد أمر الله تعالى المسلم الذي يجهل شيئاً من أحكام دينه أن يرجع في ذلك إلى العلماء، قال الله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} النحل/43.
 
وحتى يكون المكلف على بينة فإن عليه أن يأخذ العلم ممن أجمعت الأمة على علمه وعدالته، وكما قال ابن سيرين رحمه الله: "إنما هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذونه".
 
وأولى المرجعيات في ذلك المذاهب الأربعة، التي أجمعت الأمة على عدالتها، وعلى أن من قلد منها مذهباً فهو ناج عند الله تعالى، ونقل هذا عن غير واحد من العلماء، واتباعها وعدم الخروج عنها أسلم عند الله تعالى، وأبرأ للذمة، ولكن لا يعنى هذا عدم الأخذ بغيرها من الأقوال التي لها حظ من النظر، وفي الغالب فإن الحق لا يخرج عن هذه المذاهب الأربعة.
ومن أقوال العلماء في المذاهب الأربعة ما قاله ابن الصلاح رحمه الله في [أدب المفتي والمستفتي ص162]: "وليس له التمذهب بمذهب أحد من أئمة الصحابة، وغيرهم من الأولين، وإن كانوا أعلم، وأعلى درجة ممن بعدهم؛ لأنهم لم يتفرغوا لتدوين العلم وضبط أصوله وفروعه، وليس لأحد منهم مذهب مهذب محرر مقرر".
 
وقال الإمام النفراوي المالكي رحمه الله: "وقد انعقد إجماع المسلمين اليوم على وجوب متابعة واحد من الأئمة الأربع: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل رضي الله عنهم، وعدم جواز الخروج عن مذاهبهم، وإنما حرم تقليد غير هؤلاء الأربعة من المجتهدين، مع أن الجميع على هدى لعدم حفظ مذاهبهم لموت أصحابهم وعدم تدوينها" [الفواكه الدواني2/ 356].
 
وقال في مراقي السعود:
 
والمجمع اليوم عليه الأربعة       وقَفْوُ غيرها الجميعُ منعه
 
وما نراه في أيامنا هذه من اضطراب في الفتاوى، ليس مرجعه إلى الاضطراب في الشريعة نفسها، فإنها مصونة عن الخلل والاضطراب، مشتملة على الحكمة والمصلحة وتوحيد الكلمة وجمع الصفّ، وإنما يعود ذلك الاضطراب إلى ادّعاء بعض من يتصدّر للإفتاء، الاجتهاد مع فقدانه أدواته من معرفة الكتاب والسنة والإجماع والقياس واللغة بنحوها وصرفها وبلاغتها، وأساليب الكلام العربي من حقيقة ومجاز، وظاهر ومؤول ومشترك ومترادف، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، وعلوم القرآن والحديث، ومعرفة مراتب الأدلة وقوتها وأحوال التعارض وطرق الترجيح، والمعرفة بواقع الناس وعاداتهم وأعرافهم، والورع عن الخوض في الفتوى بغير علم، والتحلي بالفضائل العقلية والعلمية الكاملة، وصفاء النفس للاطلاع على أحكام الله تعالى بمطالعة دلائله، والتخلي عن الأهواء التي تميل بالإنسان وتنحرف به، قال الله تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} الجاثية/18.
 
وأما الرأي الشاذ في الفقه فيطلق باعتبارين:
 
الأول: ما خالف الكتاب، أو السنة، أو الإجماع، أو القياس الجلي، أو خالف قواعد الشريعة العامة، أو ما لا يستند إلى دليل معتبر، وهذه الأقوال لا يجوز العمل بها للمخالفة الصريحة، وقد يختلف العلماء في وصف بعض الأقوال بالشذوذ، ولكنه اختلاف محصور في بعض القضايا والمسائل.
 
والثاني: مخالفة المعتمد من المذاهب الفقهية؛ ففي كل مذهب رأي معتمد يقابله رأي آخر، يطلق عليه علماء المذهب وصف الشذوذ في اصطلاحهم، ولا مشاحة في الاصطلاح، وهذا الوصف لا يعني بالضرورة رد القول تماماً، بل أجاز العلماء العمل به والفتوى أيضا عند الحاجة، وأما الشاذ بالمعنى الأول، فهو الذي لا يجوز العمل ولا الفتوى به.
 
وأما مسألة احتساب طلاق الثلاث طلقة واحدة، فهي شاذة بالمعنى الثاني، لا الأول؛ لأنها قائمة على اجتهاد معتبر ضمن الأدلة الشرعية، ولو خالفت اجتهاد أئمة المذاهب الأربعة، وأي رأي له حظه من النظر الفقهي والدليل لا يوصف بالشذوذ، ويجوز العمل بهذا الرأي للحاجة، خاصة إذا تبناه ولي الأمر ضمن إطار السياسة الشرعية، وقال به قديماً مجموعة من العلماء، وروي عن جماعة من الصحابة والتابعين -وإن كانت رويت عن بعضهم روايات أخرى مخالفة- يقول العلامة الطاهر بن عاشور المالكي رحمه الله: "وقال علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، ومحمد بن إسحاق، وحجاج بن أرطاة، وطاووس، والظاهرية، وجماعة من مالكية الأندلس: منهم محمد بن زنباع، ومحمد بن بقي بن مخلد، ومحمد بن عبد السلام الخشني، فقيه عصره بقرطبة، وأصبغ بن الحباب من فقهاء قرطبة، وأحمد بن مغيث الطليطلي الفقيه الجليل، وقال ابن تيمية من الحنابلة: إن طلاق الثلاث في كلمة واحدة لا يقع إلا طلقة واحدة. وهو الأرجح من جهة النظر والأثر" [التحرير والتنوير]. والله تعالى أعلم.