رمضان بالعراق .. عائلات تنتظر صوت الأطفال بـالماجينا للإفطار

السوسنة  - عند مغيب الشمس ومع الانتهاء من إعداد مائدة الإفطار، تبدأ الأسر بالترقب لوقت الإفطار، وبعضهم يحضن القرآن الكريم على صدره قبل أن ينهي قراءته من آياته، هنا يزدحم الأطفال في باحات البيوت وفي الشرفات لسماع آذان وقت الغروب إيذانا ببدء موعد الإفطار، عندما يصدح الاطفال مرددين "ماجينا يا ماجينا حل الكيس واعطينا"، حتى أن بعض العائلات تنتظر صوت الماجينا بلسان الأطفال موعدا لإفطارهم.

وبرغم التطور والتحولات الاجتماعية التي طرأت للمجتمع العراقي، الا أن أنشودة الماجينا بقيت لحنا جميلا محببا في اذهان الناس يرددها ليس الأطفال فحسب، بل الكبار الذين يتذكرون صباهم وآباءهم وأجدادهم في شهر الفضائل، سيما في المدن القديمة والمناطق الشعبية والريفية، كونها من الموروثات الشعبية.
 
ويقول المتخصص بالتراث الشعبي العراقي، صالح علاوي السامر، أكثر ما يميز شهر رمضان المبارك في العراق، فضلا عن تأدية العبادات والطقوس والشعائر الدينية، فإن التقاليد الاجتماعية والموروثات الشعبية ينشط في احيائها الناس، إذ تتوجه العائلات إلى الشورجة، أكبر أسواق بغداد التجارية للتبضع وشراء ما لذ وطاب من احتياجاتهم التي تتميز بالتنوع وتعدد الأكلات العراقية الشهية، تتقدمها شوربة حساء العدس أو الماش، واللبن البارد وأنواع التمر والبرياني والمقلوبة، ومرق الباميا والدليمية، والدولمة والكبة المصلاوية أو الكبة العراقية، وفي جميعها يكون لحم الخرفان أو العجول سيدها الذي لا غنى عنه.
 
ويردف السامر، بعد الانتهاء من الإفطار وأداء صلاة المغرب بشكل جماعي في المساجد أو المنازل، يأتي دور تناول وجبة الشاي العراقي "الزنكين" المفعم بجمال قدحه الزجاجي "الإستكان"، برائحته ونكهته الزاكية التي تفوح بأجواء المنازل. ويكمل السامر، أن شهر رمضان نظام حياة خاص، الوقت محسوب فيه ومقسم الى فقرات، وهنا يأتي وقت صلاة العشاء والتراويح وأغلب الناس يتمسكون بتأديتها في المساجد، أو مع عائلاتهم في المنازل.
 
لمة رمضان الدينية الاجتماعية، بقدر ما تحمل من الألفة والود والمحبة بين الناس، فإنها تمثل تشكيلة من الطقوس والعبادات واللقاءات الاجتماعية التي غالبا ما يجتمع الأحبة فيها على مائدة من موائد الغنية، إذ تعود للأجواء لعبة المحيبس الشعبية الشهيرة في العراق، ورهانها بالنهاية الفوز بصواني من حلويات البقلاوة والزلابية أو الكنافة العراقية أو النابلسية المقلدة، والفوز هنا يكون للرابح والخاسر فكلهم يتقاسمون الأكلة بينهم.
 
ويقول الداعية عبدالمنعم الفياض "في رمضان المبارك، تكثر الفضائل والنعم، وتترطب قلوب الناس بالإيمان والعبادات وقراءة القرآن، وتشيع ثقافة التسامح والمحبة والوئام، وينشط المحسنون بالتبرع للفقراء والمحتاجين، وتتبارك الناس بموائد الإفطار الجماعية، يتقاسم فيها الفقير والغني، ومن فضائل شهر رمضان المبارك تبادل الأكلات بين الأهل والجيران، حيث تقوم كل عائلة بإرسال طبق معين من الأكلات إلى جيرانها، وكذلك بتبادل زيارات العائلات".
 
لكن المتخصص بالتراث الشعبي العراقي الدكتور سعدي الجميلي يشكو من تحولات اجتماعية أفرزتها طبيعة التطور التكنولوجي، وتبدل مفاهيم الحياة بعض الشيء، وينظر لها نظره مخيفة، منها انتشار المقاهي والمطاعم الفارهة التي أصبحت أماكن جذب يقصدها الناس لقضاء ساعات من وقت الليل، تلك مظاهر عصرية سرقت الكثير من نكهة ليال رمضان الجميلة التي كنا نعيشها، ومسحت من ذاكرة الناس جمالية البساطة المليئة بالحيوية، وشكلت خدمة الانترنت، وانتشار تطبيقات ومنصات الاعلام الاجتماعي على الاجهزة الذكية، قوة مؤثرة وضاغطة على واقع حياة الناس أفقدهم الكثير من متعة الاتصال المواجه العفوية.


آخر إضافات الموقع

الأكثر مشاهدة