ما السمات التي تمنح سلوك الفرد ككيان مستقل صفة الإنسانية ؟ ج2

السوسنة  - استكمالا للجزء الاول الذي قدم به أستاذ الإعلام في جامعة اليرموك، والأمين العام للمجمع الدولي لإعادة بناء الفكر الإسلامي الأستاذ الدكتور محمود السماسيري طرحا عن السمات التي تمنح انساناً وصفه بالإنسانية، يؤكد السماسيري انه يمكن تفصيل ملامح تلكم المعايير على النحو التالي:

 
السمات التي تمنح سلوك الفرد ككيان مستقل صفة الإنسانية
 
بين المماتب انه لا مراء أن التعامل الإنساني لزيد؛ الذي قرر أن يتصف سلوكه بسمات الإنسانية الحقة؛ باعتباره كيانًا مستقلًا يسعى إلى تحقق مصالحة الذاتية، لا يقف فقط  عند التزامه بقواعد العدالة الثلاث السابقة في دائرة تعامله مع الأفراد الآخرين في مجتمعه، وإنما يمتد- كما أشرنا سلفًا- إلى التزامه بهذه القواعد في دائرة تعامله مع الجماعات  أو المؤسسات  التي يتكون منها المجتمع الذي ينتمي إليه، وفي تعامله مع مجتمعه برمته، وفي تعامله مع أفراد، أو مؤسسات، أو جماعات المجتمعات الأخرى.
 
وبين انه يمكن تلخيص الملامح العامة لهذا التعامل في قاعدة كلية هي: أن يقوم هذا التعامل على تساوي الحقوق التي يطلب زيد من أي طرف من تلك الأطراف أن يمنحه إياها، مع الواجبات التي يُلزمه عقله بتأديتها لهذا الطرف مقابل تلكم الحقوق. 
واشار لى ان التزام زيد بالمعايير الأخلاقية الثلاثة يقتضي ألا يطالب، ولو ضمنيًّا، جماعات أو مؤسسات المجتمع الذي ينتمي إليه، بذل الجهد والوقت لمنحه مقومات الوجود التي يريد (من منتجات وخدمات أساسية وترفيهية لا حصر لها)، إلا إذا كان هو  يبذل- بالفعل- جهدًا مقابلًا في منحهم خدمات أو منتجات تكافئ ما بذلوه في إنتاجها من جهود.  
واضاف إن  التزامه بهذه المعايير  يقتضي منه ألا يستهلك- لعلة أو لأخرى جعلت المال يسيل بين يديه- ما أنفق أبناء مجتمعات  الغرب والشرق أعمارهم في اكتشافه واختراعه وإنتاجه، دون أن يبذل كفاحًا مكافئًا لكفاحهم في إنتاج مقومات هذا الوجود الإنساني الرغيد.( )
 
ونوه الى انه لا ريب أن تراخيه  في القيام بدور مكافئ لما يقوم به أبناء هذه المجتمعات، التي ينتمي جلهم لمجتمعات غير إسلامية، هو أمر- قبل أن يحقق لهم تفوقًا عليه، وتحكمًا في مصيره- يقدح في عدالته، ويقدح من ثم في إنسانيته؛ لكونه لم يقدم لهم مقابلًا حقيقيًّا من كد يديه ونتاج عقله، على نحو يسهم في تطورهم، وتقدمهم ،ومنحهم مزيدًا من مقومات الوجود الرغيد.. مثلما فعلوا هم به كذلك.
 
كما وضح أن هذا الالتزام يقتضي- أيضًا- ألا يُهلك  نصيبه من فائض مالي ما حل ببلده فجأة من  النفط في عقود قليلة، دون الاجتهاد في تنمية مردود هذا الفائض الطارئ، مما يمثل ظلمًا بينًا لأبنائه وأحفاده الذين لن يرثوا منه إلا الفقر والتخلف والحرمان، على نحو يهدد استمرارية وجودهم ذاته، في ظل عالم ليس للضعفاء فيه موطئ قدم.
 
وبين الكاتب السماسيري انه يقتضي أن يدرك أن قدرته اليوم على التمتع بما يشاء من مقومات الحياة الرغيدة من مبتكرات الغرب والشرق- عبر إنفاق القروض التي يقترضها وطنه في منتجات استهلاكية- هو أيضًا ظلم جلي سوف يتحمل توابعه الأبناء والأحفاد، ناهيك عن أثر هذه القروض على استقلال إرادة وطنه، وخطرها على سيادته.
 
كما يقتضي ألا يُهلك  كل ما ورثه عن ذويه من أموال-  إذا كان يمتلك القدرة على الكسب والعطاء- ثم يترك ورثته فقراء يتكففون الناس؛ لأن ذلك أيضًا أمر يغاير الفطرة الإنسانية العادلة والعقلانية الإنسانية السوية، ويجعل فاعلية عقلانيته لا تختلف عن فاعلية عقلانية الحيوان القاصرة التي لا تنظر إلى آثار  سلوكها خارج ما يحقق مصالحها الآنية.. قيد أنملة.
 
كما يقتضي- أيضًا- ألا يعتمد في توفير مقومات حياته المادية على إحسان الآخرين (أفراد، جماعات، مؤسسات.. الخ) مع قدرته على العمل والإنتاج؛ على نحو يغنيه عن تفضل الآخرين عليه وإحسانهم إليه.. ذلك لأنه عندما  يستحل اكتساب مقومات حياته تلك من كد غيره وعرقهم، فإنه يقترف سلوكًا لا يغاير كثيرًا سلوك ذلكم الذي يسرق عامدًا أموالهم التي شقوا في جمعها.
 
وزاد الكاتب بل إن التزامه بمبادئ العدالة  يجب أن يمتد- عندما تتحقق له الاستطاعة- إلى حث الآخرين (أفراد، جماعات، مؤسسات، مجتمع بأسره) على التمسك بتلكم المبادئ في تعاملهم مع غيرهم، ونهيهم عن خرقها؛ حتى لو لم يكن هو طرفًا مباشرًا في  هذا التعامل، ولن يصيبه من عدم عدالة هؤلاء ضرر، ولن يناله من تمسكهم بها نفع؛ لأن توقفه أو تقصيره هنا، هو في جوهره صورة جلية من صور عدم العدالة التي لا تليق بإنسانيته..  ناهيك أن خرق العدالة من قبل أي طرف، وسكوته على ذلكم الخرق، سيُعرض لبنات المجتمع، أو جماعاته، أو مؤسساته، أو المجتمع بأسره- ولو بعد حين- لضرر قد يؤدي، إذا ما تراكم أثره، إلى  مخاطر جمة.
 
وقال إن ذلك الالتزام يمتد- إذا ما امتلك القدرة- إلى وجوب تقديمه  النصرة لمن يقع عليه من غيره أي ظلم؛ لأنه إن حبس عنه قدرته تلك، حاسبه الله بمقدار الظلم الذي كان يستطيع رفعه؛ فتركه، ولم يرفعه. لكونه بذلك يصبح شريكًا في وقوع ذلكم الظلم؛ فالظلم يكون بالترك  كما يكون بالفعل.
 
وهكذا؛ فالتزام زيد بممارسة العدالة في كل تلكم الصور - التي عرضناها سلفًا على سبيل المثال لا الحصر- تعني التزامه في فعله وقوله ومشاعره بما تمليه عليه فطرته الإنسانية السوية. وهو ما يؤهله لأن يصبح لبنة سليمة في بناء مجتمع إنساني قادر على أن يوفر لنفسه مقومات البقاء. 
 
السمات التي تمنح سلوك الفرد كعضو في مؤسسة أو جماعة صفة الإنسانية.
وقال السماسيري انه لا ريب أن  إنسانية زيد لن تكتمل إلا إذا سادت مبادئ العدالة أيضًا سلوكه في الشق الآخر من حياته، والذي لا يتعامل فيه مع الوجود من حوله باعتباره كيانًا مستقلًا.. وإنما باعتباره عضوًا في مؤسسة أو جماعة ما.. فزيد هنا- ومهما كان موقعه في الجماعة أو المؤسسة التي ينتمي إليها- ليس إلا لبنة تضطلع بدور مرسوم سلفًا في تحقيق الغاية التي من أجلها هذه المؤسسة قد وجدت، أو الغاية التي تصبو إليها تلك الجماعة، ولن يتسنى لإنسانيته أن تكتمل إلا إذا تحلى سلوكه داخل الكيان الذي ينتمي إليه بمبادئ العدالة  سالفة الذكر. 
 
واكد على انه الأمر الذي يفرض عليه أن يتعامل مع باقي أعضاء المؤسسة أو الجماعة التي ينتمي إليها بمعايير العدالة (في الفعل أو القول أو الشعور). فلا يحابي أحدًا على حساب أحد، ولا يمنح أحدًا عطاءً دونما وجه حق، أو يمنع عن أحد عطاءً مستحقًا.. حتى ولو كانت كلمة ثناء  بسيطة.  
 
كما بين انه يفرض عليه أن يتعامل مع المؤسسة أو الجماعة التي ينتمي إليها تعاملًا عادلًا؛ وهو ما يتجلى في تساوي الجهد الذي يبذله مع المقابل الذي يحصل عليه منها؛ فلا يستحل أن يحصل على دينار  واحد لا يستحقه من أموال هذه  المؤسسة.. بغير  وجه حق وأن يطور باستمرار  قدراته المعرفية والمهارية التي تمكنه من الاضطلاع بالمهام التي ارتضى أن يُكلف بها داخل المؤسسة التي ينتمي إليها على النحو الأمثل؛ ذلك لأن تدني معارفه ومهاراته عن المستوى الذي يؤهله لإتقان عمله، بما يُمكّن مؤسسته من الاستمرار في المنافسة المحمومة مع المؤسسات الخارجية المناظرة، يعني أنه قد يُعرض قدرة هذه المؤسسة  التنافسية إلى التآكل تدريجيًّا، وإذا ما تآكلت هذه القدرة تدريجيًّا، فإن ذلك سيعرضها للفشل وربما للإفلاس ثم الزوال.
 
واشار الى انه لا مراء أن ذلك  ظلم جلي ليس للمؤسسة وحدها، وإنما للمجتمع بأسره الذي تتراجع بتراجع قدرات مؤسساته الاقتصادية فرصة في تأمين مقومات الوجود الرئيسة لأبنائه.. وإذا ما تراكم ذلكم الخلل فسيضطر هذا المجتمع أن يعتمد في توفير تلكم الحاجات الرئيسة لأبنائه على القروض الخارجية.. والدخول في حلقة جهنمية من القروض المتراكمة التي  تؤدي به – حتمًا- لأن يصبح فريسة في براثن الدول الدائنة مما يؤول به، كبناء مجتمعي  صاحب سيادة واستقلال إلى، التفكك والزوال.
 
واوضح ان ذلك يفرض عليه أن يحث الأفراد (اللبنات الأخرى في المؤسسة التي ينتمي إليها) أو وحدات المؤسسة، أو هذه المؤسسة ككل (ممثلة في قيادتها) على تحري العدالة في سلوكهم مع بعضهم البعض، ومع المؤسسة ككل، وفي سلوكهم مع عملائها، ومع منافسيها، بل ومع أعدائها.. ما وجد إلى ذلكم سبيلا. فغياب سيادة العدالة لسلوك أعضاء مؤسسة أو جماعة ما يُؤذن بتفككها وانهيارها.
 
وبين السماسيري انه إذا ما احتل زيد موقعًا ذا صلة بتعامل المؤسسة مع الأفراد، أو المؤسسات، أو المجتمعات التي تستفيد مما تقدمه هذه المؤسسة من خدمات، أو منتجات؛ فينبغي أن يبني ذلكم التعامل مع هؤلاء على أساس العدالة، لا على أساس إعلاء مصلحة المؤسسة على حساب مصالحهم، أو تنفيذًا لأوامر ورغبات أصحاب القرار فيها؛ لأن سعي المؤسسة لتحقيق مصالحها على حساب مصالح الآخرين، سيخلق- على المدى البعيد-  مجتمعًا مختلًا ينقسم إلى قلة تحوز المال والسلطان، من أصحاب وقادة هذه المؤسسات، وكثرة لا تجد إلا الكفاف... ومجتمع هذا حاله لا يمكن أن يحتل مكانة تُذكر بين المجتمعات التي قادتها العدالة السائدة بين أفرادها ومؤسساتها إلى درجات هائلة في مضمار التقدم... هذا إن لم يقع –على المدى البعيد في براثن التفكك ثم الفناء!!   
 
وعاد الكاتب للمثال مبينا :"كذلكم يتطلب إعلاء زيد قيم العدالة عندما يسعى لتحقيق مصالح الجماعة التي ينتمي إليها، فلا يبغي على مصالح غيرها من الأفراد، أو الجماعات، أو المؤسسات؛ كشرط حتمي لضمان استمرارية تماسك هذا المجتمع وتلاحمه، وعدم تفسخه وتحلله على المدى البعيد".  
 
وهكذا؛ فعلى زيد أن يدرك أن ممارسة العدالة التي تمنحه صفة الإنسانية عن جدارة، لا تقف عند تعامله مع الآخرين كذات مستقلة، وإنما تمتد إلى التزامه -عندما يكون عضوًا في مؤسسة أو جماعة-  بمعايير العدالة في تعامله مع الآخرين ... فالعدالة ينبغي أن تكون كُلاً  لا  يتجزأ. 
 
وعليه أن يدرك أن حتمية الالتزام بتلكم المعايير لا تقف  عند  كونها تجعله يصبح جديرًا بأن يوصف بكونه إنسانًا يحمل فطرة سوية، وإنما تمتد إلى كونها تعد الشرط الرئيس لتماسك المجتمع الذي ينتمي إليه، ولتأمين مقومات بقائه، واحتلاله لمكانة تليق به بين مجتمعات الدنيا.
 
وعليه أن يدرك -أيضا- أن الإخلال في الالتزام بهذه المعايير يعني اختلال بنية مجتمعه هذا، واختلال قدرته- من ثم- على تأمين مقومات الوجود الرئيسة لأفراده.
 
ومثل هذا المجتمع لن يكتب له الصمود والبقاء طويلًا ..لأن المجتمعات التي تسود روح العدالة سلوك أبنائها هي فقط من يُكتب لها البقاء.
 
 


آخر إضافات الموقع

الأكثر مشاهدة