ما السمات التي تمنح انساناً وصفه بالإنسانية ؟ ج1

السوسنة  - قدم أستاذ الإعلام في جامعة اليرموك، والأمين العام للمجمع الدولي لإعادة بناء الفكر الإسلامي الأستاذ الدكتور محمود السماسيري طرحاً جوهرياً في الفصل الأول من كتابة "اخي المسلم هل انت انسان" والذي جاء تحت عنوان " السمات التي تمنح شخصاً ما وصفه بالإنسانية عن جدارة" حيث ركز الكاتب على السمات الأخلاقية التي تنعكس على سلوك الإنسان، على نحو يجعل هذا السلوك سلوكًا مغايرًا لسلوك الكائنات الحية، حتى تلك الحيوانات التي قد يتشابه معها في سمات بيولوجية عديدة.
 
وقال الكاتب ان معرفة تلكم السمات الإنسانية تتطلب أن نجيب عن ثلاثة تساؤلات تتعلق بالأخلاقيات الإنسانية التي يجب أن يتسم بها سلوك شخص ما- مسلم أو غير مسلم- حتى يمكن وصف سلوكه هذا  بأنه سلوك إنساني بحق. ومدى سلامة وصف من لا يتسم سلوكه بها بأنه سلوك إنساني،  والوصف الذي يليق به حينئذ.
 
وبين انه حتى نجيب عن التساؤل المتعلق بالسمات الرئيسة التي تجعل سلوك إنسان ما  سلوكًا إنسانيًّا بحق؛ فلا بد أن نضع في حسباننا- بداية- بدهية أن السمة الرئيسة التي تميز الإنسان عن الحيوانات، هو أنه كائن له عقل قادر على أن يرشده لكيفية التصرف في  كل سلوك يصدر عنه، في ضوء إدراك متكامل للنتائج العاجلة أو الآجلة التي تنجم عن هذا السلوك على نفسه وعلى الآخرين من حوله؛ سواء تجلى ذلك السلوك في صورة قول أو فعل أو شعور. 
 
واضاف انه بينما تقف حدود عقلانية الحيوان- إن جاز لنا التعبير- عند إرشاده لكيفية التصرف في  كل سلوك يصدر عنه إلى السبل التي تجعل سلوكه هذا  قادرًا على تحقيق أهدافه الآنية، بغض النظر عن نتائج هذا السلوك اللاحقة على نفسه أو على الآخرين من حوله.  
 
واشار الى أن أهم ما يميز عقلانية الإنسان- أي إنسان- ليس كونها ترشده فقط لكيفية تحقيق سلوكه للهدف الذي يصبو إليه، وإنما كونها تلزمه بالتحلي بالمبادئ الأخلاقية الفطرية التي تحدد غايات وملامح  أي سلوك يسلكه مع غيره من بني جنسه.
 
ووضح ان ما نقصد  بالمبادئ الأخلاقية الفطرية؛ تلكم المبادئ التي  تعد قاسمًا مشتركًا بين البشر جميعًا، وتستمد فطريتها من كونها  مركوزة في كل نفس بحكم انتمائها إلى الجنس البشرى.. على نحو يجعل كل إنسان يتمنى- بل يجد أن ثمة التزامًا أخلاقيًّا على كل بني جنسه- أن يتحلوا بها في سلوكهم معه- مهما علت مكانتهم مكانته- سواء تمثل سلوكهم هذا في صورة (فعل) أو (قول) أو (شعور) وهو ما يعني أنه إذا ما سمح له عقله أن يتجاوز سلوكه تلكم الأخلاقيات، فهو هنا سماح يُخرجه، بديهة، عن أخلاق الفطرة الإنسانية السوية، التي يُحتّم عقله- مناقضًا بذلك نفسه- على غيره من البشر أن يتحلوا بها عند التعامل معه. ويرى في تجاوزهم لها تجاوزًا لفطرتهم الإنسانية السوية.
 
وبين انه حتى يمكن وضع اليد على تلكم الأخلاق الفطرية التي يعد سماح عقل المرء منا لصاحبه الخروج عنها خروجًا عن فطرته الإنسانية السوية- ناهيك عن كونه خروجًا قبل ذلك عن العقلانية.
 
وطرح الكاتب  هنا مثالًا: هب أن شخصًا اسمه "زيد" كان يعد وجبة غذاء، وترك باب بيته مواربًا ليتمكن صديقه "سعد" الذي وعده أن يتناول معه الطعام من الدخول وقتما أتى، وبالفعل وضع  زيد- من بين ما وضع- على المائدة دجاجة مشوية، ثم دلف إلى المطبخ ليكمل إعداد المائدة، وأثناء خروجه فوجئ بقط غريب قد تسلل عبر الباب الموارب يخطف الدجاجة، ويجري مسرعًا إلى خارج الدار على نحو لا يمكن اللحاق به. 
 
ثم هب أن نفس الحدث الذي حرم زيدًا دجاجته كان بطله هذه المرة إنسان اسمه عمرو؛ استغل- أيضًا- فرصة الباب الموارب؛ فخطف دجاجة  زيد وجرى  مسرعًا، دون أن يتمكن زيد من اللحاق به أيضًا.
السؤال هنا: هل يمكن أن يكون شعور زيد المنكوب في دجاجته حيال القط والإنسان واحداً؟!
 
الإجابة محال.. ففي حالة القط؛ لا ينبغي لزيد أن يلوم إلا نفسه عندما أخطأ التقدير وترك الباب مواربًا؛ لأن زيدًا لا يمكن أن يتوقع من هذا القط الغريب سوى ذلكم الفعل، وفطرته تسمح له بذلك تمامًا.. إلا أن ارتكاب إنسان سوي العقل لذات الفعل، هو عمرو،  أمر يصيب زيدًا بالحنق والغضب على هذا السارق؛ على نحو  يجعله  يصب عليه أقسى اللعنات.
 
السؤال.. لماذا؟ الإجابة: لأن عقلانية عمرو  كإنسان يُفترض أن تلزمه باتباع الأخلاق الفطرية السوية المركوزة في نفسه، والتي تجعله يشعر بالظلم عندما يعتدي زيد- أو أي شخص آخر -  على شيء مما يمتلك، وهو ما يعني أن  عمرو  هنا، وعندما سمح له عقله أن يقوم بهذا الفعل الذي لا يرتضي لأي شخص أن يقترفه في حقه، قد خرج عن مقتضيات العقلانية الإنسانية السوية، والتي يجب أن تُلزمه بالأخلاق الفطرية، التي ينتظر من كل أقرانه من بني البشر أن يتعاموا معه على هداها، وأدخل نفسه في دائرة عقلية أخرى لا تهدي صاحبها إلا لكيفية تحقيق نفع ذاتي آني أو دفع ضرر حال، ولا ترى في الاعتداء على الآخرين نقيصة أخلاقية، ولا تبالي بمشاعرهم ولا مصالحهم، طالما تعارضت مع مصالحها الذاتية الآنية. ألا وهي العقلية التي تهتدي بها الفطرة الحيوانية، والتي سمحت للقط- سالف الذكر- أن يخطف دجاجة زيد، وهي نفسها التي تسمح لقط آخر أقوى أن يستولى قهرًا على نفس الدجاجة من القط الذي خطفها من مائدة زيد، دونما شعور بالذنب.. نعم سينتاب قط زيد الضعيف شعور بالقهر؛ إلا أن هذا القط الضعيف نفسه لن يتوانى- إن سنحت له الفرصة- عن اغتصاب ما يمتلكه قط ثالث أكثر منه ضعفا!! 
 
وبين إنها فطرة قائمة- في مجملها- على استخدام قدراتها العقلية المحدودة في كيفية الاهتداء لسبل تحقيق النفع اللحظي للذات، ودفع الضرر الآني عنها؛ حتى ولو خلّفَ ذلك النفع اللحظي ضررًا دائمًا يحيق بالآخرين، أو يحيق بها هي نفسها بعد حين.
وطرح سؤال جديد: إذا كان ذلكم السلوك الذي ارتكبه عمرو يتنافى مع الفطرة الإنسانية السوية، ويدخل به في نطاق ما تسمح به الفطرة الحيوانية.. على نحو يثير عليه حنق زيد وسخطه، فكيف يمكن لزيد أن يتجنب الوقوع في  أي سلوك يمكن أن يخرجه من حدود الفطرة الإنسانية السوية، ويعرضه لحنق الآخرين عليه وسخطهم؟ أو بمعنى آخر: هل ثمة معايير رئيسة يمكن أن يهتدي بها زيد لضمان اتفاق سلوكه مع معايير السلوك الذي تفرضه هذه الفطرة الإنسانية السوية؛ بما يجنبه حنق الآخرين وسخطهم، ويجلب له  رضاهم وودهم ؟ 
 
الإجابة نعم.. ثمة معايير ثلاثة كلية يمكن أن يهتدي بها زيد في تقرير ما إذا كان السلوك الذي يقترفه مع أي شخص يقع في نطاق الفطرة الإنسانية السوية أم يقع في نطاق فطرة أدنى هي الفطرة الحيوانية... ويمكن صياغة تلكم المعايير الكلية في صورة تساؤلات ثلاثة كبرى على زيد- وعلى أي إنسان عاقل- أن يطرحها على نفسه، إذا أراد أن يعرف ما إن كان السلوك الذي يسلكه مع غيره من الناس، في أي أمر من الأمور، نابع من الفطرة الإنسانية السوية، أم ينتمي إلى فطرة أدنى..
 
واشار الى ان تلكم التساؤلات الثلاثة هي:
 - ما الذي أتمنى أن يفعله الآخرون معي؟
- ما الذي أتمنى أن يقوله الآخرون عني؟ 
- ما الذي أتمنى أن يشعر به الآخرون تجاهي؟
 
وبين على انه لما كنا نستطيع الجزم أنه لا يوجد إنسان عاقل على ظهر هذا الكوكب يتمنى- أو حتى يرتضي- أن يعتدي عليه أي شخص من بني البشر، أو يوقع به ما قد يسيء إليه من فعل أو قول أو شعور دونما ذنب جناه، ومهما عَلا  قدره. ولو كان هذا الإنسان عبدًا ومن يعتدي عليه إمبراطور... لما كنا نستطيع الجزم بذلك؛ فيمكن أن نقول: إن أي شخص سيجيب على تلكم التساؤلات الثلاثة الكبرى  بأن عقله لن يسمح له أن يفعل مع الآخرين، أو يقول عنهم، أو يشعر نحوهم، إلا ما يتمنى أن يفعله الآخرون معه، أو أن يقولوه عنه، أو يشعروا به نحوه... هو شخص عاقل حقًا، ذو فطرة سوية عادلة. ومن ثم فهو شخص يستحق أن يوصف من قبل الجميع أنه إنسان بحق. 
 
ولا مراء أن  وصف أي شخص يرى أن ثمة حق على الآخرين أن يفعلوا معه، أو يقولوا عنه، أو يشعروا نحوه بكل ما هو خير  ويجنبوه كل ما هو شر، ولا يمارس هو مع الآخرين في فعله أو قوله أو شعوره، ما يرى هو أنه حق عليهم أن يمارسوه معه...لا مراء أن وصف مثل هذا الشخص حينئذ بالإنسانية هو  وصف يحمل تجاوزًا عقليًّا جليًّا!!
 
فأنى يكون إنسانًا سويًّا  ذلكم  الذي يستبيح لنفسه أن يعتدي  بفعله على أنفس الآخرين، أو ذويهم، أو أموالهم، أو أعراضهم... أو على أي شيء يهمهم أمره، ويرى في  الوقت نفسه أن أي اعتداء من قبلهم على ذاته، أو ذويه، أو عرضه، أو ماله... أو أي شيء يهمه أمره، هو جريمة مريعة؟!
 
وأنى يكون إنسانًا سويًّا ذلكم الذي يستبيح لنفسه أن يهين غيره بالقول- تصريحًا أو تلميحًا، في حضورهم، أو غيابهم، أو يستبيح  خداعهم، أو غشهم، أو الكذب عليهم، أو المكر  بهم... أو غير ذلك من الموبقات التي يرتكبها المرء بلسانه أو ببنانه، ويرى في الوقت نفسه أن أي قول، أو حتى إشارة تُسيء إليه، أو تُحيق به ضررًا.. هي جريمة شنعاء؟!
 
وأنى يكون إنسانًا ذلكم الذي يستبيح لنفسه أن يشعر نحو غيره بالاحتقار، أو بالحقد، أو الحسد، أو الكراهية، أو الشماتة، أو غيرها من المشاعر المشينة، دونما وجه حق، ويرى في الوقت نفسه أن أي شعور مشين نحوه من قِبل الآخرين هو  جريمة نكراء؟!
 
وهكذا؛ تتجلى لنا المعايير الرئيسة التي تشكل الفطرة الإنسانية السوية، والتي يجب على العقل السوي أن يُلزم صاحبه بها، إذا ما أراد لصاحبه أن يتصف بأنه إنسان بحق ألا وهي: العدالة مع أي طرف إنساني آخر يتعامل معه في (الفعل) و(القول) و(الشعور) مهما امتلك من قوة تفوق قوة ذلكم الطرف أو مكانة تعلو مكانته.
 
وقد أقرت كل الأديان السماوية والوضعية والفلسفات المعتبرة- ومنذ أمد بعيد- هذه الحقيقة دونما استثناء. 
 
وإذا عدنا إلى صاحبنا زيد الذي يسعى لضبط سلوكه تبعا لمعايير الفطرة الإنسانية العادلة، وافترضنا أن عقله ألزمه بالفعل بتطبيق معاييرها  الثلاثة سالفة الذكر في تعامله مع الأفراد الآخرين في فعله وقوله وشعوره، أملًا منه أن يحقق صفة الإنسانية عن جدارة، سوف نجد أن تحقيقه صفة الإنسانية تلك لا يقف فقط عند الشق المتعلق بسلامة تعامله باعتباره فردًا مستقلًا يسعى لتحقيق مصالحة الخاصة مع الآخرين كأفراد مستقلين، أو مع الآخرين كجماعات (أسر، عشائر، قبائل،                         
جماعات عرقية أو مذهبية.. إلخ) أو كمؤسسات)اقتصادية،اجتماعية،سياسية،إعلامية...إلخ) ومع مجتمعه برمته، ومع أفراد، أو مؤسسات، أو جماعات المجتمعات الأخرى... وإنما يمتد- كما أشرنا سلفًا- إلى الشق المتعلق بتعامله مع الآخرين (أفراد، جماعات، مؤسسات، مجتمعات.. إلخ) عندما يكون عضوًا (عاملًا، موظفًا، مديرًا، رئيسًا... إلخ) في مؤسسة أو جماعة ما .. فهذه العضوية تفقد زيدًا استقلاليته وتفرض عليه دورًا محددًا  ينبغي أن يضطلع به، حتى يسهم في تحقيق مصالح هذه المؤسسة أو الجماعة.
 


آخر إضافات الموقع

الأكثر مشاهدة