شوق الصالحين - حميد بن خيبش

لا يتحقق الشوق إلى الله إلا لمن كان له قلب؛ ذلك أن القلب هو مستودع المحبة، ومن أكمامها تنبعث آيات الشوق إلى الله وعلاماته، سواء كانت أذكارا لا تفتر، أو أدعية وابتهالات يطرب لها الوجدان، أو ركعات في جوف الليل والناس نيام!
 
الشوق إلى الله درجة رفيعة، يقول الإمام ابن رجب الحنبلي، تنشأ عن قوة محبة الله عز وجل. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل ربه هذه الدرجة بقوله:" «وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك» " –أخرجه أحمد(4-264) من حديث عمار بن ياسر. غير أنها مرتبة مشروطة بمعرفة الله تعالى؛ تلك المعرفة التي يتفتح لها القلب، وتستنير بها البصيرة. فترى العطاء في البلاء، وتمد من الروح والمال والمتاع الزائل جسرا إلى مرضاة ربها.
 
لما حضرت الوفاة بلال بن رباح رضي الله عنه قال: " غدا نلقى الأحبة، محمدا وحزبه"  قالت امرأته: يا ويلاه، فقال : وافرحاه ! تلك هي صورة الشوق كما يعتمل في نفس المؤمن، فيرى في الموت سفرا إلى المحبوب، ويجد في مفارقة الدنيا فكاكا من سجن البدن حتى تحلق الروح في ملكوت الجليل  سبحانه.
 
إن الحامل على الشوق هو المحبة، يقول ابن القيم، بل إن الشوق بعض ثمراتها التي تشمل حمد المحبوب والرضا عنه، والتنعم بذكره والأنس إليه. وكلما قويت المحبة ازداد الشوق، فلا يسكن قلب المشتاق إلا في الدار الآخرة حيث تتحقق الرؤية التي وعد الله بها عباده.
 
اشتاق نبي الله يوسف عليه السلام إلى ربه، فجعل علامة الشوق حب الموت مع الراحة و العافية، كما قال أبو عثمان الحيري. وتأمل قوله تعالى: ( {رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث، فاطر السموات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة، توفني مسلما وألحقني بالصالحين} ) – [يوسف:الآية101] -. فإنه ألقي في الجب فلم يقل (توفني)، وأدخل السجن ولم يقل (توفني)، حتى إذا تم له الأمر والنعمة قال ( توفني مسلما).
 
ولما حضرت الوفاة معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال لمن حوله: أنظروا أصبحنا؟, فقيل : لم نصبح. فلما قيل له : قد أصبحت قال: أعوذ بالله من ليلة صباحها إلى النار. مرحبا بالموت مرحبا. اللهم إنك تعلم أني كنت أخافك، فأنا اليوم أرجوك. اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لكري -حفْر- الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمأ الهواجر، ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالرُكب عند حِلَق الذكر.
 
تلك حال المشتاق الذي يجعل من الدنيا مطية للآخرة، ويرى في الساعات والأيام مضمارا للعبادة والذكر، وطلب المعرفة التي تغذي شوقه إلى لقاء ربه.
 
وإذا كانت معرفة الله ومحبته خطوتان في طريق المشتاق، فإن حصول لذة الشوق لا يكتمل إلا بعلو الهمة. يقول ابن القيم : ليس للعابد مستراح إلا تحت شجرة طوبى، ولا للمحب قرار إلا يوم المزيد. وهذا المعنى متضمن في قوله تعالى: ( {وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين} ) - [البقرة: 223] - ويستلزم علوُّ الهمة مجاهدةَ النفس، وتقييد ركضها خلف الشهوات والمعاصي، ثم مكابدة ألوان الطاعات حتى يجد العبد لذتها، فيشتغل قلبه ولسانه وجوارحه بكل ما يوصله إلى المحبوب الأعلى. ويرى ابن القيم أن للأمر صلة بطبيعة الخلق البشري، حيث تُولد المجاهدة خفة في الروح تجدد شوقها للعالم العلوي. يقول في كتابه (الفوائد):" وبالجملة، فكلما خف البدن لطُفت الروح، وخفت وطلبت عالمها العلوي. وكلما ثقُل وأخلد إلى الشهوات والراحة، ثقلت الروح وهبطت من عالمها، وصارت أرضية سفلية. فترى الرجل روحه في الرفيق الأعلى و بدنه عندك.. وآخر واقف في الخدمة ببدنه وروحه في السُفُل تجول حول الحش !".
 
 


آخر إضافات الموقع

الأكثر مشاهدة