قرار الزواج - هاني مراد

يكتسب قرار الزواج خطورته من أن الإنسان السويّ عندما يتزوج، فإنه يهب قدرا هائلا من حياته لزوجه، ويرتضي مشاركته حياته بكل تفاصيلها ولحظاتها! يرتضي قضاء زهرة شبابه والوصول إلى شيخوخته معه؛ بل يرتضي ميراث ذلك الإنسان له بعد موته! يرتضي بأن يكون ذلك الإنسان أمينا عليه، وقد يموت بين يديه!

 
فعلاقة الزواج أكثر علاقة متشابكة بين اثنين يعيشان تحت سقف واحد! يتقاسمان تفاصيل الحياة بكل لحظاتها، بكل أفراحها وآلامها! يتقاسمان الغنى والفقر، والأمن والخوف، والنجاح والفشل، والأمل واليأس، بل يتقاسمان اليقظة والنوم!
 
والرضاء المنشود نسبي بين إنسان وآخر، لكنه يجب أن يحقق السكينة والمودة والرحمة. فقد لا تطيق زوجة زوجا مدخنا، وتستطيع أخرى! وقد لا يطيق زوج زوجة مسرفة، ويستطيع آخر! وقد لا تطيق زوجة زوجا بخيلا، وترى أخرى هذا البخل ميزة! وقد لا يطيق زوج عمل زوجته شفقة بها، ويرى آخر ضرورة ذلك لسبب أو آخر!
 
وما يزيد من خطورة ذلك القرار، ما يمارسه كثير من الناس خلال فترة الخطوبة من تزييف للحقيقة بكل تلقائية وسهولة! بل أصبح ذلك أمرا بدهيا حتى إن بعضهم يبدل شخصيته من شخص إلى آخر، ويرتدي قناعا بعد آخر! كما يزيد من خطورة ذلك القرار، فساد المجتمع والتصورات السائدة فيه والغالبة عليه. فلم تعد المقاييس العادية كافية للحكم على أي إنسان قبل اجتيازه عددا هائلا من الاختبارات العملية؛ فكم رأينا من ملتزمين ومدعين ليسوا إلا صورة زائفة، لا يجيدون سوى المظهر المخادع والكلام المنمق!
 
ومما يلفت الانتباه في حديث النبي أنه عندما تحدث عن الرجل في سياق الزواج، قال: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه..." لكنه عندما تحدث عن المرأة، اكتفى بالدين، فقال: "فاظفر بذات الدين تربت يداك". فكأن هناك فارقا بين الدين والخلق لدى الرجل، لكن لم ترد تلك الإشارة لدى المرأة! وقد يكون سبب ذلك ضرورة اتصاف الرجل بالخلق مع الدين، لكثرة ما نرى من تناقض بين القول والعمل والظاهر والباطن!
 
ولمواجهة خطورة هذا القرار، ينبغي معرفة الإنسان بنفسه، وما يقبله وما يرفضه. وينبغي معرفة الصفات السلبية التي لها ما بعدها، ولا تكتفي بذاتها، مثل الكذب أو الخيانة أو البخل؛ فوجود مثل هذه الصفات كاف للرفض؛ لأنها تنفي الثقة، أو تستلزم عددا لا يحصى من الصفات الكارثية الأخرى!
 
كما ينبغي وضع الطرف الآخر خلال فترة الخطوبة تحت منظار المراقبة، بل ووضع العديد من الاختبارات أمامه. فالإنسان البخيل على سبيل المثال، يسهل كشفه، فتجده حريصا في الإنفاق خلال الدعوات، أو عند الاتفاق على مستلزمات الزواج! وليكن معيار التقييم هو العطاء الفعلي والتجربة العملية. كما يجب الاستفادة من حكمة الكبار، وقبل ذلك حسن الاستعانة بالله والتوكل عليه.
 
 


آخر إضافات الموقع

الأكثر مشاهدة