المعاملة التفضيلية بالواسطة أو المحسوبية - المفتي الدكتور عبد الحكيم توفيق

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد،

 
فقد أطلق جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين حفظه الله ورعاه الورقة النقاشية السادسة والتي محورها سيادة القانون.
 
ومن بين القضايا المطروحة في هذه الورقة الواسطة والمحسوبية كـ"سلوكيات تفتك بالمسيرة التنموية والنهضوية للمجتمعات، ليس فقط بكونها عائقاً يحول دون النهوض بالوطن بل ممارسات تنخر بما تم إنجازه وبناؤه؛ وذلك بتقويضها لقيم العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص وقيم المواطنة الصالحة، وهي الأساس لتطور أي مجتمع...
 
كما يعتبر موضوع التعيينات في المواقع الحكومية، وبخاصة المناصب العليا من أكثر المواضيع التي يتم التطرق إليها عند الحديث عن الواسطة والمحسوبية، وقد شهدنا في السنوات الأخيرة بعض الممارسات بهذا الخصوص، والتي أرى فيها تجاوزاً على مؤسساتنا وإثقالاً لها وللمواطن بموظفين غير أكفياء، وتجريداً وحرماناً لها من الكفاءات والقيادات التي تساهم بالارتقاء بها والنهوض بعملها في خدمة الوطن والمواطن، وهنا لا بد من الالتزام بمبدأ الكفاءة والجدارة(*)، كمعيار أساس ووحيد للتعيينات"([1]).
 
إن ظاهرة الواسطات أو المحسوبيات والتي انتشرت، وعُدّت كقيم اجتماعية لا غنى عنها (في بعض البلدان) ورغم اعتبارها كظاهرة يستنكرها العموم، إلا أنها تمارس -أيضاً- من قبل الكثير([2]).
 
وفي هذا المقال سيتم تناول ظاهرة الواسطة والمحسوبية من خلال تعريف الواسطة والمحسوبية، وموقف الإسلام من الواسطة والمحسوبية، وما هي أسباب شيوع ظاهرة الواسطات والمحسوبيات؟ وما الآثار المترتبة على شيوع الواسطة والمحسوبية؟ وما هي سبل مكافحة ظاهرة الواسطة والمحسوبية؟
 
تعريف الواسطة والمحسوبية -لغة واصطلاحاً-:
 
تعريف الواسطة -لغة-: "الواسطة ما يُتوصّل به إلى الشيء... وسط الشيء: ما بين طرفيه وهو منه"([3]).  
 
تعريف المحسوبية -لغة-: "حَسْبُ: اسم بمعنى كافٍ... يقال: حسْبك هذا: اكتف به"([4]).
 
تعريف الواسطة -اصطلاحاً- بأنها:" طلب العون والمساعدة في إنجاز شيء يقوم به إنسان ذو نفوذ لدى من بيده قرار العون والمساعدة على تحقيق المطلوب لإنسان لا يستطيع أن يحقق مطلوبه بجهوده الذاتية"([5]).
 
وأما المحسوبية فهي: "اعتبار القرابة العائلية، أو السياسية، أو المذهبية في تحقيق مصلحة ما (كإسناد الوظائف، أو الترقيات أو غيرها) وجعل الحسب، أو النسب في المقام الأول" ([6]).
 
موقف الإسلام من الواسطة والمحسوبية
 
إن الإسلام قد رغّب في نفع الناس، وفي السعي في حاجة الآخرين وقضائها، فالله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه([7])، وقد جعل نفع العباد من أحب الأعمال إلى الله تعالى؛ فقد سُئل النبي -صلى الله عليه وسلم-: أي الناس أحب إلى الله يا رسول الله، فقال: (أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس)([8]) بشرط أن يتم ذلك على قاعدة التعاون على البر والتقوى، لا على أساس التعاون على الإثم والعدوان.
 
وقد ورد ذكر الواسطة في القرآن الكريم؛ وذلك تحت مسمى الشفاعة؛ حيث قسمت إلى قسمين: حسنة، وسيئة؛ قال الله تعالى: {مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا ۖ وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا} (سورة النساء: 85) يقول: الشوكاني([9]): "فالشفاعة ضم غيرك إلى جاهك ووسيلتك فهي على التحقيق إظهار لمنزلة الشفيع عند المشفع، وإيصال منفعة إلى المشفوع له؛ والشفاعة الحسنة هي في البر والطاعة؛ والشفاعة السيئة في المعاصي؛ فمن شفع في الخير لينفع فله نصيب منها؛ أي من أجرها، ومن شفع في الشر...كان له كفل منها، أي نصيب من وزرها".
 
وأيضاً قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اشفعوا تؤجروا)([10])، وهي ما كانت لإحقاق الحق، أو إيصاله إلى صاحبه، أو لرفع ظلم وكشف باطل([11])؛ وجاء في نص الفتوى رقم (3322)([12]) "وأما الواسطة الحسنة، فتكون لدفع الظلم وإيصال الحقوق إلى أصحابها وإغاثة الملهوف". ولها شروط، منها: "أن يكون ذلك ابتغاء مرضاة الله عز وجل، وألا تكون الشفاعة والواسطة على حساب الآخرين، وأن تشفع لمن تعلم أحقيته بذلك الأمر"([13]).
 
وأما الشفاعة السيئة فهي على النقيض من الشفاعة الحسنة؛ إذ هي ما يترتب عليها "ضرر أو ظلم أو هضم لحق إنسان -أيّاً كان- وإعطاء هذا الحق لغير مستحقه، وهي محرمة شرعاً"([14]) لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- : (لا ضرر ولا ضرار)([15]).
 
وإن النبي -صلى الله عليه وسلم– لم يرتض وساطة أسامة بن زيد -رضي الله عنهما- حين أراد أن يشفع في حد من حدود الله؟، وذلك في حق المرأة المخزومية التي سرقت"([16]).
 
أسباب شيوع ظاهرة الواسطة والمحسوبية
 
إن تفشي الواسطة والمحسوبية إنما يحدث لأسباب يتمثل أهمها بما يأتي:
 
الأول: ضعف الوازع الديني في المجتمع؛ وهذا مؤداه إلى الظلم والجور([17]).
 
الثاني: اعتماد الواسطة والمحسوبية باعتبارهما من أقصر طرق تسهيل المعاملات([18])، وتحقيق المرادات.
 
الثالث: التأثير المباشر للبيئة الخارجية المحيطة على سلوك العاملين([19])؛ فالعادات والتقاليد المتوارثة تفرض نفسها على المنظمات، من "توظيف الانتماءات العشائرية والإقليمية، والطائفية في التعامل الرسمي، وفي الضغط على الإداريين لتحقيق مكاسب ومزايا بغير وجه حق، ويتضح ذلك في عمليات التعيين، وشغل الوظائف"([20]).
 
الرابع: ضعف القوانين، والأنظمة، واللوائح، أو غموضها وتعقدها، أو عدم وضع الآليات المناسبة لتطبيقها، وترجمتها إلى واقع عملي بما يخدم الناس، ويحفظ حقوقهم، وييسر معاملاتهم، ويمنع العدوان؛ كل ذلك قد أسهم في إيجاد ثغرات ينفذ منها أهل الواسطة والمحسوبية؛ مما سهّل عليهم اختراق تلك الأنظمة والقوانين، وتجاوزها([21]).
 
الخامس: "وجود صلاحيات واسعة في اتخاذ القرارات الإدارية، دون رقابة أو تحكم فاعلين"([22])، مع الأمن من العقاب الرادع([23])؛ وذلك حين لا يتم الخضوع لأسس انتقاء وتعيين الموظفين، المقررة في الأنظمة والقوانين([24]).
 
الآثار المترتبة على شيوع الواسطة والمحسوبية
 
إن التمادي في استغلال الواسطات والمحسوبيات التي تلغي حقّاً، أو تحقّ باطلاً ليفضي إلى عواقب وخيمة، ذلك "أن أكثر أنواع الفساد شيوعاً هو الفساد الإداري المتمثل بالواسطة والمحسوبية، وعدم التقيد بالقوانين والأنظمة"([25]).
 
وتتمثل الأضرار الناجمة بالآتي:
 
الأول: نسف المساواة، وإضاعة تكافؤ الفرص([26])؛ فمن له واسطة، أو كان محسوباً على جهة ما فإن فرصته وحظوته أكبر ممن سواه؛ فيختل ميزان العدالة.
 
الثاني: حرمان كثير من الناس حقوقهم الشرعية، أو القانونية([27])، حتى "أصبحت كلمة واسطة في المجتمع تعني الظلم والجور، وأخذ حقوق الآخرين"([28]).
 
الثالث: عدم وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، من خلال اتباع سياسة الواسطة والمحسوبية.
 
الرابع: الاحتقان والقهر اللذان تخلفهما الواسطة والمحسوبية في المجتمع، وما يتولد منهما من ضعف في الانتماء الوطني([29]).
 
إن المجتمع الذي تنخر فيه أسباب الفساد وعلى رأسها الواسطات والمحسوبيات لحري به أن يوسم بالمجتمع المتخلف([30])، وأن يكون إنتاجه هزيلاً، وشبه مشلول([31]).
 
سبل مكافحة ظاهرة الواسطة والمحسوبية
 
إنه لا خلاف في أن الواسطة والمحسوبية التي تلغي حقّاً أو تحقّ باطلاً أمر مستنكر وينبغي محاربته؛ على الرغم من أن المحسوبيات والواسطات لا زالت صعبة الضبط([32])، ومع ذلك فإن الواسطات السيئة، والمحسوبيات المقيتة تشكل هاجساً مقلقاً، وتؤرق كبار المسؤولين لما تنطوي عليه من مفاسد جمّة([33]).
 
وفيما يأتي بعض من وسائل مكافحة جريمتي الواسطة والمحسوبية، ومعالجة ما ينجم عنهما من آثار ضارة:
 
الأولى: إنشاء وتشكيل هيئات منوط بها محاربة الفساد(*) "تضطلع بوضع وتنفيذ استراتيجية عامة لمكافحة الفساد، والوقاية منه بشكل مؤسسي"([34])؛ مع مراعاة حسن اختيار للقائمين عليها ممن يتصفون بالنزاهة، والشفافية، والحزم، وعدم التهاون.
 
الثانية: إصدار القوانين واللوائح الرادعة، والإجراءات المنظمة؛ بحيث تكون قوية وصريحة؛ ومراقبة تطبيق هذه القوانين ومتابعتها بشكل دقيق وحازم دون تفريق؛ كما أنه ينبغي معاقبة كل من يتبين تجاوزه للقانون([35])؛ وذلك أن "وجود الأنظمة والآليات الصحيحة لتطبيقها سوف يكشف المتلاعبين، وأهل المحسوبية لتسهيل إدانتهم، وإنزال العقوبة الرادعة بهم"([36]).
 
الثالثة: زيادة الوعي([37])، والعمل على توعية المواطنين بمخاطر الفساد، وتكوين رأي عام مناهض للواسطة والمحسوبية؛ وذلك باستغلال المنابر الإعلامية، وتسليط الضوء على هذه الظاهرة، وفداحة أضرارها، وبيان سبل تقديم الشكاوى، ومتابعتها وحلها في إطار النظام والقانون.
 
الرابعة: تنمية الوازع الديني، والذي يعدّ الشفاعة السيئة محرمة شرعاً، ومن ثَمّ ينبغي التصدي لها، فنبي الله محمد –صلى الله عليه وسلم- يقول: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) قالوا: يا رسول الله، هذا ننصره مظلوماً، فكيف ننصره ظالماً؟ قال: (تأخذ فوق يديه)([38])، ففي هذا الحديث ذم التعصب لأحد بالباطل وأن الشأن الوقوف مع الحق؛ فالمظلوم ينبغي أن يُنصر برفع الظلم عنه، والظالم نصرته تكون بحجزه ومنعه من الظلم من دون تمييز؛ ذلك هو الأساس الذي يُبتنى عليه التعاون والتناصح([39]).
 
وفي الختام أرجو أن أكون قد وُفّقت بتجلية بعض من أهم جوانب هذه الظاهرة الخطيرة (الواسطة والمحسوبية) والتي تفشت في كثير من مجتمعاتنا العربية والإسلامية، وأتمنى أن تتضافر جميع الجهود المخلصة (وعلى كافة المستويات الرسمية والشعبية) على محاصرتها والحدّ من أضرارها كي يتسنى لهذه المجتمعات من أن تنهض وتتقدم إلى الأمام.
 
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
 


آخر إضافات الموقع

الأكثر مشاهدة